تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
مع ذلك إلا أن يتخلّله المدّ كما ترى ، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان » « 1 » . ولولا ذكره المدّ لوصم كلامه بالقصور ، لأن القرآن عربي على أية حال ، أو وصم بالجمود عند رأي ابن الأثير ، لكنه أردف هذا الرأي بأهمية الجمال السّمعي المتعيّن في المدود ، ولا يقتصر الأمر على المدّ فحسب ، بل هناك موضع الكلمة في التركيب ، وقد وردت أسماء ليس فيها مدّ مثل « اليسع » في آيات الأنعام :
وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً ، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ
« 2 » ، فالمدّ ليس شرطا دائما من شروط الفصاحة . كما أن الألف في « بعاق » لا يستلزم إقرارا بعذوبتها . لقد استقبح ابن سنان الكلمات الطويلة في الشعر ، ولعلّه استقبح هذا لحصول الكلمة على أكثر من تفعيلة في وزن البيت الشّعري ، إلّا أنّنا رأيناه يستقبح مجرّد الطّول ، ثم جاء ابن الأثير ، ورفض هذه النظرة لمجرّد وجود كلمات طويلة في القرآن ، ولاعتماده على جذور الكلمات ، ثم جاء الرافعي ، وبنى نظرته على البنية الداخلية للمفردة القرآنية ، فوجد أنّ الكلمات الطّوال تتمتّع بكثرة المدود والسّكنات مما يجعلها مقاطع ، إلا أنه يوافق ابن الأثير في مسألة جذر الكلمة الطويلة ، وتعدّ نظرة الرافعي أكثر وضوحا لارتباطها الكلي بطبيعة تشكيل المفردة . وقد وجدنا أنّ التعلّق بهذه السّمة يدلّ على ترف ذهني ، وأنّ القدامى لم يعيروا هذه السّمة اهتماما كبيرا إلّا ما كان من القلّة منهم ، ونحن لا نريد أن نعدّ حروف كلمات القرآن ، بل نريد وقعها على الآذان ، وملاءمتها للمقام ، ومخزونها الوجداني ، ولهذا ربطنا طول الكلمة القرآنية بطبيعة الحروف ، وبتوزيع الحركات ، وبيّنا علاقة هذا بمضمون الآية كلّها ، وكذلك بيّنا قيمة الصّيغة الجمالية ، وتفرّد هذه الصّيغة بمعان سامية ، ودلائل فنيّة رفيعة من اختزان المعاني الكثيرة ، ومواءمة الموقف .
هامش
( 1 ) الرافعي ، مصطفى صادق ، إعجاز القرآن ، ص / 229 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 86 .