تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
لأنه أرقى من سائر التصرّفات البشرية . ولو أنهم ردّوا جمالية كلمة « ليستخلفنّهم » إلى أمر التوكيد باللام والنون ، وسمة الهيمنة النابعة من الضّغط على السين والخاء لكان أجدى ، وكذلك فإن هناك وقوفا على حرف شديد ، وهو الميم ، وكذلك زيادة التوكيد الدالّ على التعجرف والثّقة العمياء بالنّفس في صيغة كلمة « لأصلّبنّكم » ، والتوكيد باللام ونون التوكيد معا . لقد فسّرنا ضآلة عدد الدارسين القدامى في هذا المجال بظهور التعلّق الشّكلي ، وضعف الحجّة ، وهذا ينطبق على الدراسات الأدبية الحديثة للقرآن ، فلم يذكر طول الكلمات إلا الرّافعي ، وهو لا يسفّه رأي سابقيه ، ولا يدلّل على عدم جدوى هذا البحث ، بل يقدّم تبريرا آخر لم ينتبه إليه السابقون . وكأنّ سكوت القدامى عن الدلائل المضمونية لطول الكلمات جعل مفتاحا لنظرة الرافعي الصوتية إلى هذا الأمر ، إلّا أنّ هذه النظرة لا تتّسم بالغموض وإطلاق عبارات مثل الخفّة والرّشاقة ، وإن كانت واضحة الدّلالة لدى معاصريهم ، بل تتّسم بموضوعية واضحة جليّة المعالم . يقول الرافعي : « وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه . . . إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات ، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها ، كقوله : « ليستخلفنّهم في الأرض » « 1 » ، فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف ، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف ، ومن نظم حركاتها ، فإنّها بذلك صارت في النّطق كأنّها أربع كلمات ، إذ تنطق على أربعة مقاطع ، وقوله :
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
« 2 » ، فإنها كلمة من تسعة أحرف ، وهي ثلاثة مقاطع ، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف ، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة النّور ، الآية : 55 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 137 . ( 3 ) الرافعي ، مصطفى صادق ، إعجاز القرآن ، ص / 229 .