يعيروها انتباههم ، إلّا ما كان من هؤلاء الثلاثة : ابن سنان وابن الأثير ويحيى العلويّ ، وباقي أبواب الفصاحة تكاد توجد في كل الكتب التي تبحث في البلاغة .
وسبب ضالة هذه المادة - فيما نرى - هو ضعف الحجّة عند من يتصدّى للبحث فيها ، وثمّة سبب آخر فقد تراءى لهم عيب التعلّق الشكلي غير المجدي بهذا الفنّ ، وعدم جدواه في البلاغة القرآنية .
وقد كان يجدر بمن درس طول الكلمات القرآنية التي ذكرناها ، أن يهتمّ بالدّلالة الصّرفية ، وقيمة الاختزان للمعاني الكثيرة في بنية كلمة واحدة ، وأن يلتفت إلى تجسيم شكل الكلمة للمعنى المبتغى ، فإن لفظة « سنستدرجهم » توحي بطول المدّة مدة عدم انصياعهم ، وخصوصا في صيغة « استفعل » ففيها تصيير لهم ، وحركة جعلية متمهّلة ، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعدّدها مما يجسّم طول فترة الغفلة التي يكون فيها الكافرون ، وفي هذا المعنى تقول روز غريب : « والألفاظ التي يشبه لفظها معناها : ذات الأصوات الممتدة التي توحي بالطّول والسّعة ، والقصيرة التي توحي بالخفّة والسّرعة ، وتلك التي بأصواتها تعبّر عن القوة النّشاط ، والهدوء أو الخشية والاضطراب ، والألم والعياء ، أو النّعومة والتّرف » « 1 » .
ونستطيع أن نتلمّس جمال كلمة « أنلزمكموها » بألا نسير وفق نظرة القدامى ، فلا نقف عند عدد حروفها ، إلّا فيما يتعلّق بالمضمون ، ففيها سمة الاختزان ، لأن صيغتها تعني وجود مفعولين ، وكأنّما أضمر هذان المفعولان لموافقة نبرة الغضب التي تتطلّب السّرعة ، والمفعولان هما الكفّار والآيات ، وكذلك يضمر مفعولان في كلمة « فسيكفيكهم » وكأنّ غرابة استعمال الكلمة على هذا الشّكل يمثّل غرابة الموقف الإلهي من البشر ، فإنه عزّ وجلّ لا يجعل الإيمان فعلا قسريا كالتّنفّس والنّوم ، مما ينفي إرادة البشر ، ويحطّ من كرامتهم ، ومن ثمّ يبطل الثّواب ، إذ لا ثواب على فعل التّنفّس مثلا ، ويكون للتنفس والنوم ثواب إذا قصد بهما مواصلة العبادة ، ومن هذا ثواب الطعام الذي يقصد به التقوّي على إقامة العبادة والنّسك الربانية . فالإيمان محض اختيار ،
هامش
( 1 ) غريب ، روز ، النقد الجمالي ، ص / 91 .