تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
السمعي ، كما هو الحال عند ابن الأثير ، كأن يتلو السّين حرف الشين ، وكلاهما مهموس ومخرجهما واحد ، فتتعب عضلات النّطق في إخراجهما متتاليين ، وهنا يتضح لنا أن الغرابة يقصد بها عدم تآلف السّمع مع أصوات كلمة ما ، فينبذ هذا التشكيل . وإذا عدنا إلى بعض مفردات القرآن الكريم التي ورد فيها حرفان متماثلان مثل السين في الآية السابقة :
لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
« 1 » وكلمة « سلككم » ، وكلمة « أمم » نجد أن السّين الأولى في « يمسسني » مفتوحة والثانية ساكنة ، والكاف الأولى في « سلككم » مفتوحة والثانية مضمومة ، والميم الأولى في « أمم » مفتوحة والثانية مضمومة ، ونؤكّد السهولة في كلمة « رزقكم » من خلال أن نغمة القاف غير الكاف بالرغم من وجود الضمة على الاثنين . ويقول إبراهيم أنيس في أهمية الحركات في هذا المقام : « لمعرفة ثقل الحروف في تواليها يجب أن نذكر دائما أن المجاورة بين الحرفين ، يجب أن تكون مباشرة ، فلا يفصل بينهما بحرف أو بحركة » « 2 » ، وهذا غير موجود في العربية . لقد كان يجدر بمن تناول هذه الجمالية ، وحكّم بعد المخارج في الألفاظ القرآنية وغيرها ، أن ينتبه إلى أن اللغة العربية المستعملة ، أو كما يقال « الكلام » العربي - وهو الجزء اليومي المستخدم والمنتزع من المخزون اللغوي الكلّي - كان يميل إلى الصّفاء ، والبعد عن الوعورة ، وهذا ما ورد على ألسنة فصحاء العرب ، فكيف إذا تأكدنا من أن كلمات القرآن الكريم انتقائية صوتية مهذّبة من لغات القبائل العربية ، وأكثرها من قريش ، فقد أخذ القرآن ما كان نافعا ، ونبذ ما كان زبدا . وعلم اللغة الحديث يؤكّد أنّ اللغات جميعها ، قلّما تشتمل على أصوات متنافرة ، يقول إبراهيم أنيس : « إن اللغات في أحدث صورها تكاد تخلو من المجموعات الصوتية المتنافرة التي تتعثّر في نطقها الألسنة ، مثل الكلمات التي
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 47 . ( 2 ) أنيس ، د . إبراهيم ، 1972 ، موسيقا الشعر ، ط / 4 ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ص / 28 .