تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
فليس من القبح أن نقرأ في البيان القرآني الأعلى مثل : « نريك ، نرى ، لنريه ، نريهم » وكلا الحرفين بين الشّدة والرخاوة ، فكثيرا ما ينفرد الراء ذلك الحرف المتكرر ، فيصبح قويا عنيفا ، وكذلك النّون ، إلا أن النّسق الموسيقى في المفردات السابقة بوساطة الحركات يجعل للسمع وفي النطق لذة ، يقول عزّ وجلّ :
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
« 1 » ، وقوله :
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ، وَنَراهُ قَرِيباً
« 2 » ، والشواهد كثيرة . إضافة إلى إشارتنا إلى أن المعوّل عليه طبيعة النّغمة الصوتية للحرف نفسه ، فتفسير الأمر من جهة عضوية محضة لا يكون محقّا في تفسير الحالة الخارجية للصوت بعد خروجه من أعضاء النطق . ولهذا يتبيّن لنا أنّ أساس الانسجام هو في صفات الحروف ، إذ تنقسم إلى صفات كثيرة مثل : شديدة ورخوة ، ومجهورة ومهموسة ، وحروف صفير واستعلاء وقلقلة وغيرها « 3 » . ويمكن أن نعطي للتنافر المنبوذ بعدا آخر غير عدم الانسجام ، وهذا البعد يتمثّل في الجهد العضلي لجهاز النّطق عند لفظ أصوات بعينها متقاربة ، ولا يحصل هذا في كلّ مقام ، ولا يطّرد في كل كلمة ، وفي هذا الصّدد يقول عبد المجيد ناجي : « يمكن تفسير تنافر حروف بعض الألفاظ ، والإحساس بثقلها على اللسان ، ونفور النفس منها ، خصوصا إذا كانت متقاربة المخارج ، بأن النّطق بحروف متقاربة المخارج ، يعني الإلحاح على مجموعة معيّنة من العضلات دون سواها ، لإخراج أصوات اللفظة المطلوبة ، وهذا يؤدي إلى إحساسها بالتّعب « 4 » . وإذا كان هذا لا يحصل في كل تقارب ، فإنّنا نستطيع القول إن النقد الحديث يعترف بشكل جزئي بنظرة ابن سنان ، إلا أنّه يقدّم مقياس الذوق
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 17 . ( 2 ) سورة المعارج ، الآية : 7 . ( 3 ) انظر ابن عبد الفتاح ، قواعد التجويد ، ص / 41 ، وابن جني ، سرّ صناعة الإعراب : 1 / 56 . ( 4 ) ناجي ، مجيد عبد الحميد ، الأسس النفسية للبلاغة ، ص / 52 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 178 | احمد ياسوف