تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
عن الذال والباء ، كما أراد ، وقد بين ابن الأثير ردّه من خلال مفردات اقتربت فيها المخارج ، وعلى الرغم من ذلك لا ينفر منها السّمع ، ومعياره ذوقي خاضع للتّجربة الحسّية المستوفية : « إن حاسّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ ، وقبح ما يقبح . . على أن هذه قاعدة شذّ عنها شواذّ كثيرة ، لأنّه قد يجيء في المتقارب المخارج ما هو حسن رائق ، ألا ترى أن الجيم والياء والشين مخارج متقاربة ، وهي في وسط اللسان بينه وبين الحنك ، وتسمّى ثلاثتها الشّجريّة ، وإذا تركّب منها شيء من الألفاظ جاء حسنا رائقا ، فإن قيل : جيش كانت لفظة محمودة » « 1 » . ويستشهد ابن الأثير كذلك بلفظة « بفم » لكونها مركبة من ثلاثة أحرف شفوية ، إلا أنّه يتبع ابن سنان في جمال التّرتيب ، فيقبّح ملع ، ويستحسن « علم » ، لأنّ مخرج العين الحلق ، ومخرج الميم الشفاه . وتصديقا لردّ ابن الأثير نورد كلمات قرآنية مثل « استجيب ، أجيبت ، أجيبوا ، وغيرها وكلمة « جيدها » في قوله تعالى :
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
« 2 » ، والجيم والياء مخرجهما بين اللسان وبين الحنك الأعلى إلا أنّ حرف الياء حرف ليّن رخو ، والجيم شديد ، وكذلك حرف الشين مهموس والجيم مجهور « 3 » . فثمّة تلاؤم من جهة أخرى ، نقصد بذلك صفات هذه الحروف من حيث الشّدة والرّخاوة ، والجهر والهمس ، وهذا ما لم ينتبه إليه كلّ من ابن سنان وابن الأثير « 4 » . إن هذه الجمالية الصوتية ، لم يتناولها الكثير ، فلم تحظ بأدنى اهتمام لدى الدارسين بعدهما ، إلّا ما أشار إليه الزّركشي بصدد ذكره للآية :
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 152 . ( 2 ) سورة المسد ، الآية : 5 ، المسد : الليف . ( 3 ) انظر ابن جني ، سر صناعة الإعراب : 1 / 50 . ( 4 ) انظر ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة ، ص / 67 ، وابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 152 .