تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ونريد في هذه الصفحات أن نبيّن تأثير انتقاء المفردات التي يكمن فيها هذا الفنّ ، وهو في كتب البلاغة أدخل في الاستعارة ، كما سنبيّن ، لأن المفردة المشخّصة تستعار من الإنسان للجماد ، لبثّ روح فاعليّة الإنسان في الأشياء . وقد رأينا في استعارة الجماد والأحياء ما يوحي بهبوط الأسس الانسانية في الكافرين ، وهاهنا نرى في التشخيص صعودا بالأشياء ، لتأخذ صفات بشرية ، تساعدها على التأثير . ولعل من جماليات هذا الفن أنه يلقي الطمأنينة في نفس القارئ ، عندما يقدّم له مثيله في رفع مستوى الأشياء ، فيتلاشى الشعور بالغربة والانعزال ، وهكذا يجعل التشخيص المعالم كائنات عاقلة أو أشخاصا ، فيشعر المرء بمشاركتها الوجدانية . ومن الدليل على بحث المرء عن قرينه في الفن ، ليتوحّد مع الأشياء ، أنه يشخّص الكثير من الأعمال الفنية ، فيجعل لها صفات بشرية ، كما جاء عن الفئة المشخّصة التي تجعل من الأعمال الفنية أشخاصا ، وربّما وصف اللون بالخامل أو العنيد أو النشيط « 1 » . وهذا توسّع في الكلام حتما ، ومن باب المجاز المساعد على التخييل ، ولعل التشخيص أبعد الفنون عن المباشرة في توصيل الكلام ، بل هو نوع من التخييل البعيد كما يرى سيّد قطب « 2 » . وفائدته أنه يمتلك مخزونا مؤثّرا في توسيع رقعة الخيال لدى المتلقّي ، وليس تلك النّقلة العادية في مجال الاستعارة ، فهذه النّقلة تعني التحوّل من مجال الإخبار إلى مجال الرؤية بواسطة الخيال ، فيضاف هنا إلى المسألة الاخبار المباشر عمق التأثير . ويقول مجيد عبد الحميد ناجي : « التشخيص ينقل الصورة من مجرّد
هامش
( 1 ) انظر ، عبد القادر ، حامد ، 1949 ، دراسات في علم النفس الأدبي ، ط / 1 ، المطبعة النموذجية ، القاهرة ، ص / 112 . ( 2 ) انظر كتاب قطب ، سيد ، التصوير الفني ، ص / 63 .