تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
آيات أخر ، ووجدوا في هذه توسّعا عاديا من قبيل الاستعمال اللغوي المجازي ، مع أن المجاز لا يختلف عن باب الاستعارة ، فإذا كان المجاز مرسلا فهو استعارة ، والمرسل ما أرسل عن قيد التشبيه ، وكذلك التشخيص فهو استعارة معقول لمحسوس . وتأكيدا لهذه النظرة نورد رأي ابن قتيبة وابن الأثير في قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ، وَهِيَ دُخانٌ ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ
« 1 » ، إذ يردّ ابن قتيبة القول إلى حيّز الحقيقة لتوضيح المعنى « 2 » ، ويقول ابن الأثير : « نسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسّع ، لأنهما جماد ، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد » « 3 » . ومما يحمدون عليه أن يشير الدارس إلى أهمية اللفظة المشخّصة بقوله « هذا أبلغ » بعد أن يبيّن الحقيقة اللغوية ، ففي الآية الكريمة :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
« 4 » تتفق الآراء في أنّ الحقيقة علا ، و « طغى » أبلغ لأنّ فيه قهرا ، وهو استعارة معقول لمحسوس ، وقد كانت بداية هذا التذوق لدى الرّمّاني « 5 » . سوف نورد بعض المفردات التي عني بها بعضهم عناية مرضية ، فنحن لا نرى تفسيرا لغويا في كل الأحوال ، وخصوصا أن المحدثين لم يخرجوا كثيرا عن تعليقات السّلف ، حتى إنهم اعتمدوا شواهد القدامى نفسها . هنالك آيات في ذكر جهنم وتصوير أهوالها ، أسبغ البيان القرآنيّ عليها صفات جديدة ، لتفجير طاقة التأثر ، بما يكنه التّخييل الذي تبعثه المفردة في
هامش
( 1 ) سورة فصّلت ، الآية : 11 . ( 2 ) انظر ، ابن قتيبة عبد اللّه بن مسلم ، 1952 ، تأويل مشكل القرآن ، تح : أحمد صقر ، ط / 1 ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، ص / 78 . ( 3 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 363 . ( 4 ) سورة الحاقة : الآية : 11 . ( 5 ) الرماني ، ثلاث رسائل ، ص / 80 ، أبو هلال العسكري ، الصناعتين ، ص / 271 ، وانظر ابن قيّم الجوزية محمد بن أبي بكر ، 1328 ه ، الفوائد ط / 1 ، مطبعة السعادة بمصر ، ص / 48 .