تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
وهكذا لمسنا تنفير هذه الحشرة للناظر ، وقد ركّز القرآن على العنكبوت مؤطّرة ببيتها الزّريّ ، فشكل البيت مع الحيوان لا يريح البصر ، وكل ما يعرف عن قذارة هذه الحشرة يعدّ مفسّرا لجمالية تجسيمها لقبائح الكفار . لكن القدامى كانوا أدقّ في تحليل المثل ، لأنهم وعوا إشارة قوله « وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت » وما قاله عامر ليس تفسيرا للمقصد الأساسي ، بل هو أخذ بإيحاءات المثل وظلال المشهد ، لأن المراد في الآية وهن بيت العنكبوت لا قذارتها . ومن جهة الإحاطة قلّما نجد ما يشفي الغليل ، إلا قليلا لا يردّ ولا يستهان به ، ففي الآية :
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
« 1 » نجد جدّة وعمقا لدى الزمخشري ، وقد ذكر هذا الحيوان بصورة إيجابية لدى ذكر النّعم ، فهو وسيلة للركوب ، وذكر أيضا في مجال التّشنيع والتّسفيه داخل الصورة الفنية ، وقد شبّه به الكفار في نفورهم وإعراضهم عن آيات اللّه ، وفي هذه الآية يقصد نهاقه المذموم الذي شبّه به الصوت المرتفع ، يقول الزمخشري : « والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه ، ومن استفحاشهم لذكره مجرّدا ، وتفاديهم من اسمه ، أنهم يكنّون عنه ، ويرغبون عن التصريح به ، فيقولون : الطويل الأذنين ، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة ، وقد عدّ من مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة ، فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وتمثيل أصواتهم بالنهاق ، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه ، وإخراجه مخرج الاستعارة ، وأن جعلوا حميرا ، وصوتهم نهاقا ، مبالغة في الذمّ والتهجين » « 2 » . وما يضاف أن مقولته تنطبق على كل الصور التي استخدمت الحمار مثل قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
« 3 » . وقوله :
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
« 4 » ، وليته
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 19 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 234 . ( 3 ) سورة الجمعة ، الآية : 5 . ( 4 ) سورة المدّثّر ، الآيتان : 50 - 51 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 136 | احمد ياسوف