تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وعن جهله في تدبيره ، وتركه وأخذه » « 1 » . ونظرته التخصصية بمنزلة مفتاح لتصوّر هؤلاء الكفرة ، وقد قرنوا بالكلب من جهة محدّدة ، فللكلب فوائد كثيرة أيضا ، والجاحظ يقدّم لنا تفسيرا لاختيار حيوان بعينه في النص القرآني ، وإن كان الأمر لا يمتّ بصلة للصورة الفنية البصرية ، فمنه نفهم الإيحاء النفسي للاختيار الدّقيق الذي يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح ، يقول عزّ وجلّ حكاية عن ولد آدم عليه الصلاة والسلام :
يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ
« 2 » . وهذا الحيوان يفيد تأكيد بشاعة الموقف المعبّر عن وحشية ، وما نقتبس من الجاحظ يعدّ تنظيرا لظاهرة قبح الحيوان في الصورة الفنية ، إذ قال : « ولو كان في موضع الغراب رجل صالح ، أو إنسان عاقل ، لما حسن به أن يقول : يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الشّريف ، وكلّما كان المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ » « 3 » . ويتّضح هذا الرأي في تأويله لاختيار الخالق مسخ الكافرين قردة وخنازير ، فهذا يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح في هذين الحيوانين ، يقول : « ولو لم يكن لهما في صدور العامّة والخاصّة من القبح والتّشويه ، ونذالة النّفس ، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان لما خصّهما اللّه بذلك » « 4 » . فالقصد من وجود هذه الحيوانات في الصورة الفنية تبيين تدنّي مستوى الكافرين وشناعة تصرفاتهم ، وبعدهم عن الصفات الآدمية ، ويمكننا أن نورد بعض الآيات في هذا الشأن مثل قوله تعالى :
فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ
« 5 » و
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
« 6 » ، و
لَنَسْفَعاً
هامش
( 1 ) الجاحظ ، الحيوان : 3 / 38 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 31 . ( 3 ) الجاحظ ، الحيوان : 3 / 411 . ( 4 ) الجاحظ ، الحيوان : 4 / 39 ، ويؤكد ابن أبي الإصبع هذا الرأي في إعجاز خلق الذّباب ، تحرير التحبير ، ص / 474 . ( 5 ) سورة الواقعة ، الآية : 55 . ( 6 ) سورة القلم ، الآية : 16 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 133 | احمد ياسوف