تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
الهيئة « 1 » . وهو يركّز على تجسيم الخوف والجوع باللباس ، ولا يهتم بالمذاقة كما صنع الزمخشري قبله ، ففي الآية كلمتان مضيئتان « أذاقها » و « لباس » ، ومما يصوّر بحسية عظمى ، أن يتذوق المرء هذا اللباس الذي يجسم الخوف والجوع ، والحاجة إلى اللباس قائمة ما دام الإنسان إنسانا ، فالآية تريد عمق الإحساس بالخوف والجوع في أقوى مظاهر هما وإلى درجة التذوق . وهو يعزو طاقة هذه الكلمة إلى « التخييل ، وهذا طبيعي ، لأنه من رجال القرن الثامن الهجري حيث عرفت المصطلحات وتفرّعت . ويبدو أن القدامى تحرّجوا من استخدام مصطلح « التجسيم » لصلته بالفرقة المجسّمة لذات اللّه تعالى ، فقد كانت العلة تقديس البيان القرآني وإبعاد ما يتصل بخطل الزنادقة من معان ، ونظن أنه ذكر « التخييل » لعدم وجود علاقة فيزيائية في الواقع بين طرفي الصورة التي هي أقرب إلى إعمال الخيال . لقد اكتفينا بهذه النماذج من الدارسين القدامى ، فقد استطاعوا أن يقدموا جمالية إسهام المفردة من خلال حديثهم عن حسية الاستعارة والتشبيه ، ولم تقف التقسيمات البلاغية حاجزا بينهم وبين التأمل الرفيع ، وإن ظل ما قدّموه بحاجة إلى لمسات المحدثين الذين تغلغلوا في الأثر النفسي ، وقصدوا المعاني الثانية المستوحاة من الحسية متأثرين بالثقافة العصرية . إذ كان همّ الدارس القديم توضيح المصطلح البلاغي وتبيين جزئياته وأطرافه وتقريب الصورة من العقل أحيانا ، ثم جاء المحدثون ، وبسطوا الحالة النفسية للمتلقي إزاء التصوير ، وهذا لا يعني أن الجانب النفسي مهمل في دراسة البلاغي القديم ، بل كان هذا الأثر هو المقصود في توضيح وجلاء المصطلح . لذلك لا يمكن أن نبخس القدامى حقّهم ، ونرى من المستبعد في هذا المجال قول أحد المعاصرين : « إن إهمال مادية التعبير في الموروث النقدي والبلاغي حال دون تطورات المعنى على حقيقتها ، كما حال دون رؤية التميزات الدقيقة التي تصور حياة الاستعارة ، وتوضح نشاطها البلاغي . . . لم
هامش
( 1 ) انظر القزويني ، 1953 ، الإيضاح ، دار محمد علي صبيح ، القاهرة ، ص / 226 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 110 | احمد ياسوف