واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة » « 1 » .
فقد أدرك جمالية كلمة « حرف » وإسهامها في تجسيم الحالة الشعورية لمضطربة لدى المنافقين ، ويعدّ هذه السمة في مكان آخر تمثيلا » ، ففي الآية :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
« 2 » قال : « ذكر الوادي والهيوم فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم ، وقلّة مبالاتهم بالغلوّ في المنطق ، ومجاوزة حدّ القصد فيه » « 3 » ، والمثل والتمثيل شيء واحد كما يقرر البلاغيون .
وفي باب الاستعارة يضيف ابن الأثير ومضات جمالية إلى سابقيه بالرغم من إعادته كثيرا من شواهدهم ، وكتابه يعنى بالشواهد القرآنية قبل الحديث الشريف ، وقبل الشعر ، ولا ينسى تفضيل ما جاء في القرآن على سائر الأقوال ، وقد اعتاد المحدثون على اقتباس جمالية الموسيقا القرآنية من كتابه ، بينما تعمّق هو في عموم وجوه الجمال الفني القرآني .
ولا بأس أن نقف على تعليقه إزاء قوله تعالى :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
« 4 » إذ قال : « فاستعار الأودية للفنون والأغراض الشعرية التي يقصدونها ، وإنما خصّ الأودية بالاستعارة ، ولم يستعر الطرق والمسالك ، أو ما جرى مجراهما ، لأن معاني الشعر تستخرج بالفكرة والرّويّة ، والفكرة والرّويّة فيهما خفاء وغموض ، فكانت استعارة الأودية لها أشبه وأليق » « 5 » .
وهكذا استمد ابن الأثير من معرفته اللغوية فضل الوادي على الطريق أو المسلك ، وهنا يقصد بالوادي الغرض الشعري ، وهذه الكلمة تنمّ أيضا على العمق البشري ، إذ تجسّم إيحاء الشعراء في قلوب المستمعين أو القارئين ،
هامش
( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 115 .
( 2 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 224 - 225 .
( 3 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 271 .
( 4 ) سورة الشّعراء ، الآيتان : 224 - 225 .
( 5 ) ابن الأثير ، ضياء الدين ، المثل السائر : 1 / 374 ، وانظر ، العلوي ، يحيى بن حمزة ، 1914 ، الطّراز ، دار الكتب الخديوية بمصر : 1 / 214 .