تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
السرعة والقوة في الفعل ، ونظير هذا قوله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
« 1 » فالإلقاء هنا يدلّ على القوة ، ليوحي بالثبات ، وينفي الضّعف الذي تصوره النبيّ الكريم . ولا يبتعد الزمخشري عن مفهومنا للتجسيم ، وهو يعدّه في بعض الأحيان ضربا من المجاز ، ففي الآية الكريمة :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
« 2 » . يقول : « أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد ، وما يمسّ الناس منها ، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضرّ ، وأذاقه العذاب ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس ، وكأنه قيل : فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف » « 3 » . والحق أن استعانته بالمدلول اللغوي غير لائقة ، وغير جديرة بالمقام ، إذ إن القرآن هو الذي استعمل الذوق للعذاب والبؤس ، وهذه الاستعارة جديدة لم يعرفها العرب ، والفعل يدلّ على إشراك حاسّة الذوق التي تكون منفذا إلى الرّهبة في النفس ، ويبقى للزمخشري أنه يقدم مفتاحا لغويا لفهم وتذوق هذه الصورة الحسية ، وقد اهتم الزمخشري بالمذاقة ، لأنه يرى فيها تجريدا للاستعارة يفوق الكسوة ، لأن الذوق يشتمل على اللمس ، واللمس لا يشتمل على الذوق . وإذا كان يفسّر هنا العلاقة بين المعنوي والحسي بالمجاز ، فإنه في مكان آخر يعدّها « مثلا » فقد جاء في تفسيره للآية :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
« 4 » : « على حرف : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية : 39 . ( 2 ) سورة النّحل ، الآية : 112 . ( 3 ) الزمخشري ، محمود بن عمر ، 1966 ، الكشاف ، ط / 1 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر : 2 / 498 . ( 4 ) سورة الحج ، الآية : 11 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 106 | احمد ياسوف