تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
عاصِفٍ
« 1 » : بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسّة إلى ما تقع عليه » « 2 » . وهذا لا يبتعد عن مفهومنا للتجسيم الذي يقدّم المعنى في صورة بصرية لغاية التأثير ، وإن كان هنا لا يؤكد أهمية مفردة الرّماد ، وقد قلّده اللاحقون فعدّدوا أنواع التشبيه ، فقالوا : إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه ، وإخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به ، وإخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها ، وإخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوّة « 3 » . ولا يهتم الباقلّاني بالمصطلح ، بل يدلّ على جمال تصوير ما في النفس ، فقد جاء في كتابه « 4 » : « ومما يصوّر لك الكلام الواقع في الصفة تصوير ما في النفس ، وتشكيل ما في القلب ، حتى تعلمه كأنك مشاهده ، وإن كان يقع بالإشارة ، ويحصل بالدّلالة والأمارة قوله تعالى :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
« 5 » ، وقوله تعالى :
قالُوا : لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
« 6 » وتستوقفنا في كلامه عبارة « تصوير ما في النفس » ، وعبارة « كأنك مشاهده » ، وهذا خير دليل على سموّ تذوق القدامى وإدراكهم لجمالية التجسيم وفائدته في التأثير الوجداني ، ويمكننا أن نقدمه على تعريف الرماني ، فالباقلّاني يشير إلى عوامل هذه الصورة البصرية وفاعليتها ، والتجسيم تصوير على أية حال . وإذا عدنا إلى الآيتين اللتين استشهد بهما نجد أنه يقصد الإضاءة التي تنبع من كلمتي « أفرغ » و « منقلبون » ، وإن كان لم يصرّح بهذه الجزئية ، فهذا شيء يفهم من الآية ، وهو يدرك أن معاصريه لفصاحتهم يدركون مكان الشاهد ،
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 18 . ( 2 ) الرمّاني ، علي بن عيسى ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 76 . ( 3 ) انظر مثلا ، العسكري ، أبو هلال ، الحسن بن عبد اللّه ، 1952 ، الصناعتين ، تح د . محمد أبو الفضل إبراهيم ، د . علي محمد البجاوي ، ط / 1 دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة ، ص 240 . ( 4 ) الباقلاني ، محمد بن الطيّب ، إعجاز القرآن ، ص / 244 . ( 5 ) سورة الأعراف ، الآية : 126 . ( 6 ) سورة الشعراء ، الآية : 50 .