في حين كانت المدرسة البصرية تعج بالفتاوى الفقهية ، وإن كان المنقول عنها في التفسير أقل نسبة ، إلا أن الحسن ؛ لأنه إمام عامة فقد تصدر للوعظ والإرشاد فنقل عنه في ذلك جملة كبيرة من تفسير آيات الأحكام ، وكذلك كانت حال قتادة .
أما المدرسة المكية فهي أقل المدارس اعتناء بذلك ، اللهم إلا في مسائل الحج التي فرضت نفسها بحكم البيئة على النتاج المكي .
ولا عجب حينئذ أن نسمع مقولة ابن عيينة ، وهو يصف حال التابعين فيذكر أن أهل مكة أعلم بالمناسك ، في حين جعل أعلمهم بالحلال والحرام أهل الكوفة « 1 » .
وكانت قبل ذلك عائشة ترى أن أعلم من بقي بالمناسك هم أهل مكة « 2 » ، ولأجل تقدم المكيين في ذلك نجد أئمة الكوفة يسألون أصحاب ابن عباس عن مسائل الحج ، والآيات المتعلقة به ، كما في مراجعة إبراهيم النخعي لسعيد بن جبير في مسائل الحج التي كان يفتي فيها علقمة « 3 » .
وكان الثوري الكوفي يقول : خذوا المناسك عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة « 4 » .
ومعلوم أنهم من المدرسة المكية . وقد لاحظ بعض الباحثين تقاربا فقهيا بين مدرسة العراق ومدرسة مكة « 5 » ، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أنه عدّ سعيد بن جبير عراقيا كوفيا ، أما أنا فقد أدرجته - كما سبق - في المدرسة المكية ، ولذا فسؤالات إبراهيم له كانت من باب سؤال الكوفي للمكي .
هامش
( 1 ) معجم البلدان ( 4 / 493 ) .
( 2 ) العلل لأحمد ( 1 / 495 ) 5885 ، وكتاب الاجتهاد ( 43 ) .
( 3 ) تفسير الطبري ( 4 / 7 ، 28 ، 55 ، 74 ) 3185 ، 3204 ، 3376 .
( 4 ) البداية والنهاية ( 9 / 276 ) .
( 5 ) تاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة ( 36 ) .