ولذا فإن مجاهدا كان يقول : لقاتل المؤمن توبة ، مخالفا بذلك رأي شيخه ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، فعن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن قوله :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ
« 1 » ، قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه جهنم ، ولا توبة له ، قال سعيد فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم « 2 » .
وجاء عن مجاهد أيضا في تفسير قوله سبحانه
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
« 3 » ، قال : هي كالتي في النساء
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ
، في جزائه « 4 » .
ومن المعلوم أن الخلاف في توبة القاتل هل تقبل أو لا ، ليس معناه أن أصحاب المعاصي المصرين عليها مخلدون في النار ؛ لأن من يقول بأن توبة القاتل لا تقبل يجعل هذا خاصا بهذا الذنب العظيم ؛ لخصوص الدليل ولا يتعداه إلى غيره ، فليس لأحد من أهل الباطل الاحتجاج به على خلود أصحاب المعاصي في النار ، كما هو مذهب أهل الباطل من خوارج وإباضية ومعتزلة .
ومما يؤكد ذلك ما ورد عن أئمة السلف في تفسير قوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
« 5 » .
فقد فسرها ابن عباس وتبعه على ذلك أبو العالية ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبو وائل ، والربيع ، وعكرمة قالوا : إنها الشرك « 6 » .
هامش
( 1 ) سورة النساء : آية ( 93 ) .
( 2 ) تفسير الطبري ( 9 / 62 ) 10187 .
( 3 ) سورة المائدة : آية ( 32 ) .
( 4 ) تفسير الطبري ( 10 / 236 ) 11784 ، 11785 ، وفتح القدير ( 2 / 33 ) .
( 5 ) سورة البقرة : آية ( 81 ) .
( 6 ) تفسير ابن أبي حاتم ( 1 / 251 ) ، يراجع تفسير الطبري الآثار ( 1421 - 1428 ) ، وزاد المسير ( 1 / 108 ) ، وفتح القدير ( 1 / 106 ) .