نعم ، قال : فمن أي الأصناف أنت ؟ قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ، ولا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ، فقال عطاء : عرفت فالزم « 1 » .
ومما ينبغي التفريق فيه في هذا المقام أن المرجئة قسمان :
الأول : وهم الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان ، ولا يجعلونه شرطا في الإيمان ، فيجعلون إيمان أفسق الناس وأعبد الناس سواء ويقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ، وهذا باطل ، وهؤلاء الذين ذمهم التابعون بقوة وحذروا منهم .
والثاني : وهم مرجئة أهل السنة وهم الذين يوجبون العمل ويجعلونه شرطا للإيمان لا شطرا ، وبعضه شرط صحة كالعمل بالتوحيد ، وغيره شرط كمال ، فهم وإن كانوا وافقوا المرجئة على أن العمل ليس من الإيمان ، إلا أنهم خالفوهم في إيجابه ، وتوقف صحة الإيمان أو كماله عليه ، ولهذا يرى بعض أهل العلم أن الخلاف بين هذا القسم وبين أهل السنة خلاف لفظي ؛ لأن مرجئة الفقهاء نظروا إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع ، وبقية الأئمة رحمهم اللّه نظروا إلى حقيقة في عرف الشارع ، فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط كما في الصلاة ، والصوم ، والحج ، ونحو ذلك « 2 » .
وينسب لهذا القسم الإمام أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وسعيد ابن جبير ، ومقاتل بن سليمان ، وحماد بن أبي سليمان « 3 » .
وهؤلاء كوفيون ، ومن تتبع طبقات ابن سعد في الجزء الذي أفرده للكوفيين يستطيع أن يلمس بوضوح مدى الانتشار الواسع لمذهب الإرجاء فيها « 4 » .
هامش
( 1 ) الحلية ( 3 / 314 ) ، والبداية ( 9 / 345 ) ، والعقد الثمين ( 6 / 91 ) .
( 2 ) شرح العقيدة الطحاوية ( 379 ) .
( 3 ) الملل والنحل للشهرستاني ( 1 / 141 ) ، والسير ( 5 / 233 ) ، وينظر تاريخ المذاهب الإسلامية ( 1 / 146 ) .
( 4 ) الطبقات ( 6 / 274 ) ، الملل والنحل ( 1 / 141 ) ، والسنة لعبد اللّه بن أحمد ( 130 ) ، والإبانة -