وكذا كان حال سعيد بن أبي عروبة ، ومعمر مع قتادة ، والربيع بن أنس مع أبي العالية ، والأمثلة كثيرة ، ولهذا كان اجتهاد التابعين مقدما في الجملة على اجتهاد من جاء بعدهم ، ولا أدل على ذلك من اعتماد الأئمة من مفسري السلف على أقوالهم ، حتى إن المروي عنهم في التفسير فاق المروي عن الصحابة وعن أتباع التابعين « 1 » .
أدوات الاجتهاد عندهم :
أما عن أدوات الاجتهاد عندهم ، فيمكن أن نلحظ منها أربعا بوضوح :
1 - معرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها : فإن ذلك يعين على فهم الآيات ، يقول مجاهد : لا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب اللّه إذا لم يكن عالما بلغات العرب « 2 » .
2 - معرفة عادات العرب في أقوالها ، وأفعالها ، والوقوف على مجاري أحوالها .
3 - معرفة أسباب النزول ، وهو من أقوى الطرق في فهم معاني القرآن « 3 » ، وكان من أعلمهم وأكثرهم إعمالا لهذا عكرمة .
4 - قوة الفهم ، وسعة الإدراك ، وهذا فضل اللّه يؤتيه من يشاء .
ومن هنا ندرك فضلهم ، وعلمهم ، فإنهم ما دخلوا التفسير إلا من بابه ، وما عالجوا الأمر إلا عن علم ، ودراية ، وهذا شأن الربانيين من العلماء في كل عصر .
مميزات اجتهاد التابعين :
لقد تميز اجتهاد التابعين بعدة ميزات جعلته أهلا ؛ لأن يكون السابق في الميدان ،
هامش
( 1 ) وقد سبق تفصيل ذلك في فصل مصادر تفسير التابعين ص ( 55 - 82 ) .
( 2 ) البرهان ( 1 / 292 ) .
( 3 ) مجموع الفتاوى ( 13 / 336 / 337 ) .