الغوامض ، ويزيل الالتباس ، ويكشف مشكل المعاني ، وهذا لا يبلغه كل واحد ؛ لأن هذا لا يتم إلا بمنحة من اللّه للعبد بالفطنة ، وسرعة البديهة ، وسعة الأفق ، والتوفيق للأوفق ، ولا بد من وسائل معينة قبل الغوص وراء درر المعاني .
اجتهاد التابعين في التفسير :
لقد اجتهد التابعون في التفسير اجتهادا عظيما ، يدلنا على ذلك كثرة المنقول عنهم ، مع اختلاف مدارسهم ، وتنوع مشاربهم ، وقد تلقوا التفسير عن الصحابة ، وإن كانوا يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال « 1 » .
والاجتهاد - كما هو معلوم - منه ما هو محمود ، ومنهم ما هو مذموم ، فالمذموم ما كان تابعا للهوى ، وهو الذي جاءت النصوص بالنهي عنه ، والتحذير من التورط فيه « 2 » .
وأما المحمود فما كان بعد استجماع الأدوات ، والاطلاع على اللغات واللهجات ، ومعرفة الأمارات ، والدلالات .
وقد كان تفسير التابعين من هذا الباب ، ولذا قال الإمام الترمذي - رحمه اللّه - :
وأما الذي روي عن مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن ، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم ، أو من قبل أنفسهم ، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا ، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم ، بغير علم . اه .
وعقب شيخ الإسلام بعد نقله كلام الترمذي هذا فقال : فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به ، وسلك غير ما أمر به ، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه ، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار ، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر ، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ ، واللّه أعلم « 3 » .
هامش
( 1 ) مقدمة ابن تيمية في التفسير ( 38 ) .
( 2 ) ينظر الآثار الواردة في ذلك في مجموع الفتاوى ( 13 / 373 ) .
( 3 ) مجموع الفتاوى ( 13 / 37 ) ، وتحفة الأحوذي ( 4 / 64 ) .