والحسن معلم وداع إلى اللّه ، وفقيه جالس العوام وأثر فيهم ، واشتهر بمليح وعظه وقصه ، فقد يثقل عليه في كثير من الأحيان إيراد الإسناد ، فكان بعض إرساله من هذا .
حدث مرة بحديث فقال له رجل : يا أبا سعيد ، عمن ؟ ، قال : وما يصنع بعمن ؟ أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته « 1 » .
وعن علي بن زيد ، قال : حدثت الحسن بحديث ، وهو عندي متوار في منزلي ، فاستعاده ست مرات ، فلما أن ظهر جعل يحدث بذاك الحديث ، فقلت : يا أبا سعيد :
من حدثك بهذا ؟ قال : دعنا منك ، فلما أكثرت عليه قال : أنت حدثتنيه « 2 » .
ولعل من الأسباب التي جعلت الحسن يرسل في بعض الأحيان ، الجانب السياسي ، فسكوت الحسن عن الرواية عن بعض الصحابة في ذلك الوقت كعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - مثلا قطعا للفتنة ، فكان يفضل الإرسال بزمن الأمويين ، والحجاج سيفهم على البصرة « 3 » .
فعن يونس بن عبيد أنه قال : سألت الحسن ، قلت : يا أبا سعيد : إنك تقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإنك لم تدركه ؟ فقال : يا ابن أخي ، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ؛ إني في زمان كما ترى - وكان في زمن الحجاج - كل شيء سمعتني أقواله : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر فيه عليا « 4 » .
هامش
( 1 ) عيون الأخبار ( 2 / 137 ) .
( 2 ) المعرفة والتاريخ ( 2 / 36 ) .
وهذا يدل على ضبط الحسن ، وإتقانه - رحمه اللّه - لكنه أضرب عن إيراد الإسناد لضرورة ما يصبو إليه من وعظ الناس ، وإرشادهم ، وفيهم عوام لا قيمة للإسناد عندهم ، غاية قصدهم ما دل عليه النص من حكم ، ومواعظ ، واللّه أعلم .
( 3 ) الحسن البصري وحديثه المرسل ( 349 ) .
( 4 ) تدريب الراوي ( 1 / 204 ) ، ولمعرفة المزيد من الأسباب ، يراجع كتاب الحسن البصري وحديثه المرسل ( 346 - 351 ) .