2 - واقتضت حكمة اللّه تعالى أن يحتجب الملك عن رسول اللّه « 1 » مدة بعد رؤيته له في غار حراء ، فاستبدّ به القلق ، وخاف أن يكون اللّه تعالى قد قلاه لسوء صدر منه ، وراحت نفسه تحدّثه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها . . .
إلى أن رأى جبريل وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض يناديه ، ويقول : يا محمد أنت رسول اللّه حقّا وأنا جبريل « 2 » .
وهذا الانقطاع الذي حصل في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يجعل القول بأن الوحي إلهام نفسيّ كلاما باطلا وضربا من الجنون .
3 - إن جانبا عظيما من القرآن الكريم احتوى على أنباء من سبق من الأمم والجماعات ، وقصص الأنبياء ، وذكر الأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة .
وهذه الأخبار لا يمكن أن يقول عاقل بأنها إلهام نفسي أو إشراق روحي ، لأنها لا تعتمد إلا على التلقي والتعليم ؛ قال تعالى :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
[ يوسف : 3 ] وقال سبحانه :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ آل عمران : 44 ] .
4 - واحتوى القرآن كذلك على حقائق علمية ، ونظريات طبيعية وفلكية تثبت الأيام بعد تقدّم العلم صحتها وأسبقيتها ، قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] . وتضمّن القرآن في بيان العقائد أمورا تفصيلية عن بدء الخلق ونهايته وعن الحياة الآخرة وما فيها من الموقف
هامش
( 1 ) انظر فترة الوحي في كتاب التعبير من صحيح البخاري ( باب أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي ) رقم ( 6581 ) وفتح الباري ( 12 / 359 - 361 ) .
( 2 ) رواه ابن سعد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، كما في فتح الباري ( 12 / 360 ) .