التي ستكون سبب نجاته ومن معه من المؤمنين ، ثم يسدل الستار ليرتفع ثانية عن مشهد نوح عليه السلام وهو يقوم بصنع السفينة ، مقبلا على ذلك بكليته ، تنفيذا لأمر اللّه عزّ وجلّ ، بينما قومه الهلكى من حوله يهزءون ويسخرون .
والفجوة التي تركها العرض بين المشهدين ليملأها الخيال : هي تلك الأحداث التي لا بد منها ، من العزم على الصنع ، وإحضار المواد الأولية ، وإنما طويت حتى لا تفسد بذكرها العرض الفني للقصة .
2 - قصة مريم عليها السلام : التي تضعنا أمام مشهد يصور لنا تلك العذراء البتول ، وقد أتاها الروح القدس في هيئة إنسان ليقول لها :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
وتجيبه مستغربة دهشة :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
فيخبرها بأنه فعل الذي لا يعجزه شيء ، ويطلعها على الحكمة من ذلك :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
. ثم يسدل الستار ليرتفع عن مشهد هذه العذراء وقد أثقلها حملها ، فتنحت جانبا من القوم وهي قلقة خائفة ، وإذا بالمخاض يلجئها إلى جذع نخلة تستقر تحتها لتلد النور والهداية لتلك البشرية الضائعة في ذلك الجيل :
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
[ مريم : 22 - 23 ] .
ويلاحظ بين المشهدين فجوة فنية كبرى ، تترك للخيال أن يتصورها كما يشاء له التصور .