تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النشر في القراءات العشر — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب ، وذهب الآخرون إلى أنّ ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيفما كان لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلا اليه إلا عند الضرورة قال اللّه تعالى
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
انتهى وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب ؛ والمذهب الثاني هو الصحيح بل الصواب على ما قدمنا ، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده وصوب ما صوبناه واللّه أعلم فالتجويد هو حلية التلاوة ، وزينة القراءة ، وهو اعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها ، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله ، والحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على حال صيغته ، وكمال هيئته ؛ من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف ، وإلى ذلك أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله « من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد » يعنى عبد اللّه بن مسعود وكان رضى اللّه عنه قد أعطى حظا عظيما في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله اللّه تعالى وناهيك برجل أحب النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يسمع القرآن منه ، ولما قرأ أبكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي قال صلى بنا ابن مسعود المغرب بقل هو اللّه أحد وو اللّه لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله ( قلت ) وهذه سنة اللّه تبارك وتعالى فيمن يقرأ القرآن مجودا مصححا كما أنزل تلتذ الاسماع بتلاوته ، وتخشع القلوب عند قراءته ، حتى يكاد أن يسلب العقول ويأخذ بالألباب ؛ سر من أسرار اللّه تعالى يودعه من يشاء من خلقه ؛ ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا أنه كان جيدا لأداء ؛ قيما باللفظ ؛ فكان إذا قرأ أطرب المسامع ؛ وأخذ من القلوب بالجامع ، وكان الخلق يزدحمون عليه ، ويجتمعون على الاستماع اليه ، أمم من الخواص العوام ، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام
النشر في القراءات العشر — صفحة 212 | محمد بن محمد الدمشقي ( ابن الجزري )