الشريعة الإسلامية تمشى على مهل ، متآلفة لهم ، ومتلطفة في دعوتهم ، متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا « 1 » .
فالحكم المراد للشارع قد يكون في وقت ما شديدا لا يحصل الغرض المقصود منه ؛ لما يترتب على تشريعه في هذا الوقت من أن الناس ينفرون من الدخول في الإسلام .
فاتبع الإسلام سياسة رشيدة وهي : أن يبدأ بحكم مخير ، فإذا ما لقي منهم قبولا وعملوا به ، ثم تقدم الزمن ، وشعر الناس من أنفسهم بالحاجة إلى غيره ، بعد ما ظهرت مفاسد التخيير ، أو عدم تحصيله للمصالح ، وتهيّأت النفوس للحكم الجديد ، جاء وحي السماء بالأمر .
حصل ذلك في كثير من الأحكام ، كتحريم الخمر ، وشريعة القتال ، وغيرهما « 2 » .
وقد يكون النسخ من الأشد إلى الأخف ، وهذا تمشيا مع المصلحة ، فإذا كانت المصلحة في تبديل حكم بحكم ، وشريعة بشريعة ، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة ، وذكر الإمام الشافعي رضي اللّه عنه في الرسالة : أن حكمة النسخ هي رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم ، وبالتوسعة عليهم ، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمة ، وأثابهم على أن الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه ، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ « 3 » .
وقد تكون الحكمة من النسخ استمالة القلوب إلى هذا الدين الجديد ، كما في مسألة القبلة فقد أمر الله سبحانه وتعالى ، نبيه بعد أن هاجر إلى المدينة بالتوجه إلى بيت المقدس في الصلاة ؛ ليستميل قلوب اليهود الذين يقيمون في المدينة ، وليبين لهم أن وجهة الرسل كلها واحدة ، فتتهيأ نفوسهم لقبول ما جاء به ، إذا ما تحولت القبلة إلى الكعبة ، وليظهر ما علم الله مما تكنه نفوسهم .
والقول بأن حكمة الله تعالى من النسخ هي رحمة الله لخلقه بالتخفيف عنهم والتوسعة عليهم هو الأصوب ، يؤيده قول الله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
« 4 » ، فالتخفيف لأجل الضعفاء ، لا شك أنه رحمة نزلت بهم « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر النسخ في دراسات الأصوليين ص 147 ، أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص 61 .
( 2 ) انظر تعليل الأحكام للدكتور مصطفى شلبي ص 307 .
( 3 ) انظر الرسالة للإمام الشافعي ص 30 .
( 4 ) سورة الأنفال ، من الآية 66 .
( 5 ) انظر ارشاد الفحول للشوكاني ص 185 - 186 ، تسهيل الوصول ص 130 ، أصول الفقه للشيخ أبي زهرة ص 179 ، أصول الفقه الإسلامي للدكتور محمد مصطفى شلبي ص 539 ، 540 ، أصول الفقه الإسلامي لزكي الدين شعبان ص 404 .