المبحث الثالث حكمة النسخ قال الأصوليون :
إن حكمته سبحانه وتعالى في أن الإسلام نسخ للشرائع السابقة عليه كلها ، ترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع ، وبيان ذلك :
إن الإنسان بنوعه يتقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة ، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره .
فالبشر أول عهدهم بالوجود ، كانوا كالوليد أول عهده بالدنيا سذاجة ، وبساطة ، وضعفا ، وجهالة ، ثم أخذوا يتحولون من هذا رويدا رويدا ، ومروا في هذا التحول ، أو مرت عليهم أعراض متباينة ، ومتباعدة ، ومختلفة من ضآلة العقل ، وظلمة الجهل ، وطيش الشباب ، وغشم القوة على تفاوت في ذلك بينهم ، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت ، حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه ، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه ، جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان كلها ، ومتمما للشرائع ، وجامعا لعناصر الحيوية ، ومصالح الإنسانية ، ومرونة القواعد ، وقد وفّق الإسلام بين مطالب الروح والجسد ، وآخى بين العلم والدين ، ونظم علاقة الإنسان بالله ، وبالعالم كله من أفراد ، وأسر ، وجماعات ، وأمم ، وشعوب ، وحيوان ونبات وجماد ، مما جعله بحق شرعا عامّا صالحا لكل زمان ومكان ، خالدا إلى أن يرث الله الأرض ، ومن عليها « 1 » .
وأما حكمة الله تعالى في أن نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض ، فترجع إلى سياسة الأمة ، وتعهدها بما يرقيها ويمحصها ، وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها ، حين صدعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم بدعوته ، كانت تعاني فترة انتقال شاقة ، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها ، وموروثاتها وعاداتها ، خصوصا ما هو معروف عند العرب ، الذين شوفهوا بالإسلام ، من التحمس لما يعتقد أنه من مفاخرهم وأمجادهم ، فلو أخذ العرب بهذا الدين مرة واحدة ؛ لأدّى ذلك إلى نقيض المقصود ، ولمات الإسلام في مهده فلم يجد أنصارا يعتنقونه ، ويدافعون عنه ؛ لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان ، من هنا جاءت
هامش
( 1 ) انظر أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص 60 .