إنّ هذا المسجد الذي بناه المنافقون كان سببا من الأسباب الداعية إلى الفرقة بين المؤمنين ، ولذلك جاء التحذير القرآني
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً
للنهي عن الصلاة فيه ، والقرب منه ، والدعوة إلى مقاطعته ونبذه ، وجاءت الدعوة إلى الوحدة والاجتماع في المسجد الذي أسس على التقوى ،
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
و « التقوى الاسم الجامع لما يرضي اللّه ويقي من سخطه ، أي أن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى اللّه تعالى بإخلاص العبادة له ، وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البرّ والتقوى هو أحقّ أن تقوم فيه أيّها الرسول مصليا بالمؤمنين من غيره ، ولا سيّما ذلك المسجد الذي وضع أساسه على المقاصد الأربعة الخبيثة » « 1 » .
وغاية المقابلة الضمنية بين الاجتماع والفرقة في هذه الآيات على غرار بيان الحق وتمييزه من الباطل ، وكشف أهل النفاق ودحض مكايدهم وفضح خططهم ، الدعوة إلى الاجتماع والوحدة في ظل المسجد الواحد ، والعقيدة الواحدة ، والتصدي لأسباب الفرقة والاختلاف من أية جهة كانت .
وقال تعالى في آخر سورة التوبة :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[ التوبة :
128 - 129 ] .
لقد جاءت خاتمة هذه السورة في آيتين تذكّران المؤمنين بالمنّة ببعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والتنويه بصفاته الجامعة للكمال ، ومن أخصها حرصه على هداهم ، ورغبته في إيمانهم ودخولهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفا رحيما بهم
هامش
( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 11 - ص 42 .