قيل : لمعنى في العين أوجب لها التخصيص ، وهو كونها أكثر حروف المعجم ورودا في المنطق ، وتكرّرا في اللفظ . فجعلت للامتحان لخفّتها وقرب تناولها ، ولتناسب وكيد أيضا بينها وبين الهمزة . وهو اجتماعهما دون غيرهما من حروف / الحلق في الجهر الذي هو الإعلان ، والشدّة التي هي ارتفاع الصوت بالحرف . وكون العين أوّل حرف من المخرج الثاني من الحلق . كما أنّ الهمزة أول حرف من المخرج الأوّل منه ، وهو الذي يلي الثاني ، ويتّصل به . فلذلك خصّت بالامتحان ، وانفردت بالدلالة على موضع استقرار الهمزة من الكلمة .
ولأجله أيضا جعل جميع النحويين والكتّاب في الكتب صورتها صورة عين ، إعلاما بذلك ، ودلالة عليه .
* * * فإن قال : فمن أين اصطلح السلف على أن جعلوا علامة الهمزة ، وهي حرف من الحروف ، نقطة بالصفراء ، والنقطة علامة لحركات الحروف ؟
قيل : اصطلحوا على ذلك من حيث اجتمعت معهن في أن جعل لها صورة ، كما تجعل لهن . فلما شاركتهن في جعل الصورة شاركتهن في العلامة . ثم خصّت الهمزة دونهن بأن جعلت بالصفراء ، وجعلن دونها بالحمراء ، لتتميّز بذلك منهن ، وتبين به عنهن . إذ كانت حرفا من الحروف ، وكنّ حركات حروف .
على أن سلف أهل العراق قد خالفوا سلف أهل المدينة في ذلك . فجعلوها بالحمراء كالحركات . وما جرى عليه استعمال أهل المدينة من جعلها بالصفراء ، فرقا بينها وبين الحركات ، هو الوجه ، وعليه العمل . حدثنا أحمد بن عمر الجيزي ، قال نا محمد بن الأصبغ الإمام ، قال نا عبد اللّه بن عيسى قال ، نا
المحكم في نقط المصاحف — صفحة 147
مساهمون: أبو عمرو الداني
ص١٤٧