من الفاتحة يبين اللّه هذا اليوم في سورة الانفطار . فقد أوضح فيها ما غم على الناس ، وبين ما أشكل ، فقال تعالى :
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 17 ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 18 يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ 19
« 1 » . فبدا من هذا أن يوم الدين هو يوم القيامة لانطباق الحالات والأوصاف عليه تهويلا وافتقارا ، واختصاص الامر باللّه الواحد القهار .
ج - في قوله تعالى :
فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 2 » قد أبهم زمان تعيين هذه الليلة . ولكن الابهام قد رفع بقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 1
« 3 » فالمباركة في الزمان هي ليلة القدر في هذه السورة لأن الانزال واحد « 4 » .
د - هناك كثير من الأحكام الشرعية أجملت بمكان ، وفسرت بمكان آخر من القرآن كالطلاق والقصاص ، وحلال اللحوم وحرامها فالقصاص مثلا أجمل في المائدة :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
« 5 » وفسر مبينا في قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
« 6 » .
وفي قوله تعالى :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
« 7 » استثناء مجمل مبهم ، بينته وأوضحته آية أخرى هي :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
« 8 » .
وبملاحظة ما تقدم يتجلى شأن القرآن الكريم في تفسير بعضه للبعض الآخر ، ولهذا اعتمده كثير من السلف الصالح وسار عليه المتشرعة حتى زمننا الحاضر ، والحق أن هذا المجال من المنهج يكون عاملا مساعدا في كشف عيون التأويل ، واستخراج كنوز القرآن ، ولكنه لا يستوعب القرآن تفسيرا ما لم يضم إليه الأثر واللغة .
هامش
( 1 ) الانفطار : 17 - 19 .
( 2 ) الدخان : 3 .
( 3 ) القدر : 1 .
( 4 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 188 .
( 5 ) المائدة : 45 .
( 6 ) البقرة : 178 .
( 7 ) المائدة : 1 .
( 8 ) المائدة : 3 .