تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
ثم فصل القول في الرّد على من زعم نسخ هذه الآية ، وتوجيه تعليل القتال بالحرابة ، وجملة ردّه في ثلاثة اعتراضات : الأول : إن النّسخ لا بدّ له من دليل ، ولا دليل يدلّ على النّسخ أو التّخصيص . الثاني : إن ما تضمنته الآية معاني لا تقبل النّسخ ، فقد تضمنت النّهي عن الاعتداء ، والاعتداء ظلم ، والظلم من المعاني المحرمة في كل الشرائع وفي أحكام العقول ، واللّه لا يبيح الظلم قط . الثالث : لو كان القتل للكفر جائزا ، وأن آية منع الاعتداء منسوخة لكان الإكراه على الدين جائزا ، لقوله تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[ البقرة : 2 / 256 ] . وكذلك فإن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسر من المشركين أسرى ، فمنهم من قتله ، ومنهم من فداه ، ومنهم من أطلق سراحه ، ولم يكره أحدا منهم على الإسلام ، ولو كان القتال لأجل الكفر ما كان لهؤلاء إلا السيف « 1 » .

فائدة :

اختلف الفقهاء في تحرير طبيعة الجهاد في الإسلام ، أهو حرب دفاعية أم حرب هجومية ، وقد أكثروا من الاستدلال لما ذهبوا إليه ، وأورد كل منهم رأيه ، منتصرا له بالأدلة ، وسأورد في هذا المقام نقلا لما قدمه كل فريق من الاستدلال ثم أعطف بتحرير ما أعتقده الحق في هذه المسألة واللّه أعلم . قال ابن قدامة في المغني : « قال أحمد : إن الدعوة قد بلغت وانتشرت ، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة ؛ لم يجز قتالهم قبل الدعوة ، وذلك لما روى بريدة قال : كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أمره بتقوى اللّه في خاصته ، وبمن معه من المسلمين ، وقال : « إذا لقيت عدوك من المشركين ، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها ، فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فإن هم أبوا ، فادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فإن أبوا ،
هامش
( 1 ) انظر : آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 111 وما بعدها .