أبلغ من وصفهم بالقتال ، وفي ذلك زيادة مدح وثناء ، فكأن المعنى قوله : ( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوا بعضكم ، فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم ) « 1 » .
لكن قال الطبري في التفسير : « وأولى هاتين القراءتين بالصواب قراءة من قرأ :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ
لأن اللّه تعالى ذكره لم يأمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم » « 2 » .
وقد أوردنا هذا القول للطبري لنلفت الانتباه إلى ما قد يتبادر إلى الذهن من أن شيخ المفسرين كان يرى صحة قراءة وبطلان قراءة من المتواتر ، وهو ما توهمه عبارته هذه ، وأشباهها كثير في جامع البيان ، وعند القرطبي أيضا ، وهي محمولة على عدم ثبوت التواتر عنده ، أما إذا ثبت لديه التواتر فلا يتصور من شيخ المفسرين أن يجزم ببطلان قراءة متواتره ، وعلى ذلك يجب حمل سائر ما روي من كلام أئمة التفسير في ردّ قراءة متواترة .
ويمكن التوفيق بين القراءتين على قول من قال : يقتلوكم أي يبدءوكم بالقتل ، وأجود الأقوال أن قراءة الجمهور جاءت بعد عزيمة سابقة ، وهي المنع من مقاتلة المشركين في الحرم حتى يصيبوا واحدا منا ، ثم جاءت الرخصة بمشروعية قتال المشركين في الحرم بمجرد مقاتلتهم إيّانا ولو لم يصيبوا منا أحدا .
وقد أورد القاضي ابن العربي توفيقا لطيفا بين القراءتين على هيئة حكاية وقعت له في بيت المقدس أنقلها لك عنه بنصها : قال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد حضرت في بيت المقدس طهّره اللّه بمدرسة أبي عتبة الحنفي والقاضي الريحاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة ، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار ، فسلم سلام العلماء ، وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء فقال له الريحاني : من السيد ؟ فقال له : رجل سلبه الشّطّار أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدّس ، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم . فقال القاضي مبادرا : سلوه ، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم ، هل يقتل أو لا ؟ فأفتى بأنه لا يقتل ، فسئل عن الدليل ، فقال : قوله تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ
[ البقرة : 2 / 191 ] ،
هامش
( 1 ) روي هذا المعنى في التفسير عن قتادة . انظر تفسير الطبري 2 / 193 .
( 2 ) تفسير الطبري ، ط دار المعارف 2 / 193 .