تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وهذه عبارة القرطبي في ذلك : « حرّم اللّه تعالى في هذه الآية ألا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود اللّه ، وأكّد التّحريم بالوعيد تعدى الحدّ ، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حقّ النكاح لصاحبه حسب ما يجب له فيه لكراهة يعتقدها ، فلا حرج على المرأة أن تفتدي ، ولا حرج على الزوج أن يأخذ ، والخطاب للزوجين ، والضمير في
أَنْ يَخافا
لهما ، و
أَلَّا يُقِيما
مفعول به ، و ( خفت ) يتعدى إلى مفعول واحد ، ثم قيل : هذا الخوف هو بمعنى العلم ، أي أن يعلما ألا يقيما حدود اللّه ، وهو من الخوف الحقيقي ، وهو الإشفاق من وقوع المكروه ، وهو قريب من معنى الظّن ، ثم قيل :
إِلَّا أَنْ يَخافا
استثناء منقطع ، أي لكن إن كان منه نشوز فلا جناح عليكم في أخذ الفدية ، وقرأ حمزة : ( إلّا أن يخافا ) بضم الياء على ما لم يسمّ فاعله ، والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام ، واختاره أبو عبيد . قال : لقوله عزّ وجلّ :
فَإِنْ خِفْتُمْ
قال : فجعل الخوف لغير الزوجين ، ولو أراد الزوجين لقال : فإن خافا ، وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان . قلت : وهو قول سعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين . وقال شعبة : قلت لقتادة : عمّن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان ؟ قال : عن زياد ، وكان واليا لعمر وعلي . قال النحاس : وهذا معروف عن زياد ، ولا معنى لهذا القول لأنّ الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ، ولا يجبره السلطان على ذلك ، ولا معنى لقول من قال : هذا إلى السلطان . وقد أنكر اختيار أبي عبيد وردّ ، وما علمت من اختياره شيئا أبعد من هذا الحرف ، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى ، أما الإعراب فإن عبد اللّه بن مسعود قرأ :
إِلَّا أَنْ يَخافا
تخافوا ، فهذا في العربية إذا ردّ إلى ما لم يسمّ فاعله قيل : إلّا أن يخافا ، وأما اللفظ فإن كان على لفظ
يَخافا
وجب أن يقال : فإن خيف . وإن كان على لفظ
فَإِنْ خِفْتُمْ
وجب أن يقال : إلّا أن تخافوا . وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال : لا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموه شيئا ، إلا أن يخافا غيركم ولم يقل جلّ وعزّ : فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية ، فيكون الخلع إلى السلطان . قال الطحاوي : وقد صحّ عن عمر وعثمان جوازه دون السلطان . وكما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع ، وهو قول الجمهور من العلماء « 1 » .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، ط دار الكاتب العربي القاهرة 3 / 138 ، 139 . وانظر أيضا الدّر المنثور للسيوطي ، ط دار المعرفة 1 / 286 ، وفيه عن عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن قتادة : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئا إلا أن يخافا
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 284 | محمد الحبش