تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦

المسألة الخامسة :

قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
[ آل عمران : 3 / 161 ] . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم : ( أن يغلّ ) بفتح الياء وضم الغين . أي : ما كان لنبيّ أن يخون أصحابه فيما أفاء اللّه عليهم . وحجتهم في ذلك أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم جمع الغنائم في غزاة . فجاءه جماعة من المسلمين فقالوا : ألا تقسم بيننا غنائمنا ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أن لكم مثل أحد ذهبا ما منعتكم درهما ، أترونني أغلكم مغنمكم » فنزلت
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
« 1 » ، أي ما ينبغي أن يجور في القسم ، ولكن يعدل ، ويعطي كل ذي حق حقه . عن ابن عباس قال : نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر ، فقال من كان مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها » فأنزل اللّه الآية « 2 » . وحجة أخرى وهي أن المستعمل في كلام العرب أن يقال لمن فعل ما لا يجوز له أن يفعل : ( ما كان لزيد أن يفعل كذا وكذا ، وما كان له أن يظلم ) ولا يقال : ( أن يظلم ) لأن الفاعل فيما لا يجوز يقال له : ( ما كان ينبغي أن يفعل ذلك ) نظير قوله :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ
وكما قال :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
ألا ترى أنهم المستغفرون ، ولم يقل : ( أن يستغفروا ) . وقرأ الباقون : ( أن يغلّ ) بضم الياء وفتح الغين . أي ما كان لنبي أن يغله أصحابه أي يخونوه ، ثم أسقط ( الأصحاب ) فبقي الفعل غير مسمى فاعله ، وتأويله : ما كان لنبي أن يخان « 3 » . وحجتهم ما ذكر عن قتادة قال : ( ما كان لنبي أن يغلّه أصحابه الذين معه من المؤمنين ) « 4 » ، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر ، وقد غلّ طوائف من أصحابه .
هامش
( 1 ) لم أجده ، والعهدة فيه على إيراد أبي زرعة له في الحجة 179 . ( 2 ) أخرجه أبو داود والترمذي ، وقال : هو حسن ، عن ابن عباس . وانظر أسباب النزول للسيوطي ، آل عمران : 3 / 161 . ( 3 ) انظر الدّر المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 91 ، وفيه نسبة هذا القول للحسن البصري . ( 4 ) انظر الدّر المنثور للسيوطي ، وفيه نسبة القول إلى الربيع وقتادة .