تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

وثمرة الخلاف :

أن القراءة بالتاء ( وما تفعلوا من خير فلن تكفروه ) موجهة إلى الأمة القائمة ، وهو معنى تظاهرت على الدلالة عليه نصوص كثيرة ،
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
[ المزمّل : 73 / 20 ] ،
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
[ آل عمران : 3 / 195 ] . وأما القراءة بالياء فقد أفادت معنى جديدا ؛ وهو أن اللّه عزّ وجلّ لن يضيع إحسان أهل الكتاب ، فيثيب المحسن منهم ويعاقب المسئ ، وهذا المعنى الذي انفردت به هذه الآية تصريحا وتخصيصا دلّت عليه آيات كثيرة تلميحا وإشارة :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزّلزلة : 99 / 7 - 8 ] ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[ التّوبة : 9 / 119 ] ،
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ الجاثية : 45 / 15 ] ، ولا يخفى أن المقصود بأهل الكتاب هنا مؤمنوهم . ولكن هذا المعنى الأخير لا يصادم القطعي من النصوص في بطلان أعمال الكافرين ، بعد أن ورد صريح النّص ، وانعقد إجماع الأمة ، على ذلك . قال اللّه عزّ وجلّ :
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
[ الكهف : 18 / 100 ] ، والجمع بين النصوص أن الآية إنما تخصّ أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام كما يدلّ لذلك سبب نزولها « 1 » : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في الصحابة عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد اللّه بن سلام ، وثعلبة بن سعيد ، وأسيد بن سعيد ، وأسد بن عبد ، ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا ، وصدقوا ، ورغبوا في الإسلام ؛ قالت أحبار اليهود ، وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد واتبعه إلا أشرارنا ، ولو كانوا خيارنا ما تركوا آباءهم وذهبوا إلى غيرهم ، فأنزل اللّه في ذلك :
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
الآية . وأخرج أحمد وغيره عن ابن مسعود قال : أخّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللّه هذه
هامش
( 1 ) أسباب النزول للسيوطي ، آل عمران ، الآية 113 .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 173 | محمد الحبش