لم يثبت بعضها لدى فقهاء الإمامية وهي موضع نقاش ومحل بحث عندهم كالسيد الخوئي رحمه اللّه في كتابه البيان .
فالآية المنسوخة لا بد أن تكون قائمة على دليل صريح واضح حتى يتم معرفتها والتعامل معها على أساس أنها منسوخة .
وأما الحكمة التي اقتضت هذا النسخ لهذه الآيات القليلة هي سياسة القرآن لتعهد تربية هذه الأمة ، والسير معها خطوة خطوة ببيان مواقع ضعفها من قوتها ، وقدرتها على تحمل أي نوع من الأحكام بما تملك من طاقات ومواهب . فالأمة الإسلامية حينها كانت تمر في مرحلة انتقال صعب ، فما كان من الوحي إلا أن يمحّصها ، ويرى مدى تجاوب هذه الأمة في ترك ماضيها السلبي وعقائدها الخرافية والعادات الجاهلية .
تلك الحكمة كانت وليدة الرسالة ، ونابعة من صميم الأحداث التي عاشتها الدعوة متدرجة نحو السير بالمجتمع قدما إلى الأمام ، صاعدة به إلى مدراج الرقي والتقدم في سبيل إيجاد ثقافة اجتماعية بعيدة عن التعقيد ، تقوم بحل المشاكل العالقة في المجتمع بدون أن تواجه هذه الثقافة ردّات الفعل الارتجالية . ومن ابرز معالم هذه الثقافة القرآنية في توجيه خطابها إلى الإنسان .
إنها تنظر إلى الجانب العقلي والغريزي في استجابته إلى أوامر القرآن وإلى الحكم الأنسب له ، وفق المصلحة التي تستدعي بقاء ذلك الحكم أو نسخه بحكم آخر .
فإذا كانت الاستجابة نابعة من العقل ، فان التسرع أيضا نابع من الجهل والحمق ، فكما أن الثقافة القرآنية تريد أن تؤكد بعملية النسخ جانب الاستجابة فإنها ترفض جانب التسرع عند الإنسان في الحكم .
القرآن نهج و حضارة — صفحة 276
مساهمون: الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
ص٢٧٦