تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
واستعملت الكلمة أيضا في الإشارة إلى " سجل أعمال الإنسان في الدنيا التي سيحاسب عليها يوم القيامة " ، يقول تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
( 14 ) ( الإسراء : 13 - 14 ) ، " الكتاب " هنا بمعنى " الصحيفة الخاصة بكل إنسان تكتب فيها أعماله وأقواله قليلها وكثيرها وتحفظ له حتى يعطاها يوم القيامة منشورة - أي مفتوحة - يقرؤها بنفسه حتى وإن كان أميا بحضرة جميع الناس من كل الأمم والأجيال حتى تلزمه الحجة فلا يتذرع بالنسيان لطول الزمان ، وتعاقب الحدثان ، وتبدل الأحوال والهيئات ، ومعالجة السكرات والممات ، وطول الثواء في عالم البرزخ ، وهول البعث والنشور والمطلع والحساب ، يقول تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
( 49 ) ( الكهف : 49 ) . " الكتب " المشار إليه في الآية اسم جنس يطلق ويراد به " كتب الناس التي أحصاها الحفظة عليهم واحدا واحدا " ؛ ويمكن أن تكون الإشارة كذلك إلى كتاب واحد تضمّن صحائف أعمال البشر ، كما يفهم من قوله تعالى :
أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
( المجادلة : 6 ) ، وقوله :
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( 52 ) ( طه : 51 - 52 ) في هذا الخطاب القرآني إشارة إلى " كتاب " جامع لأعمال الخلق هو بمثابة الأم أو المصدر لكل هذه الصحف . يؤكد هذا قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
( 12 ) ( يس : 12 ) ، وفيه إشارة إلى اللوح المحفوظ ؛ ومنه قوله تعالى :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 69 ) ( الزمر : 69 ) . ونلاحظ أن اللّه تعالى قدّم الصغيرة في الأعمال على الكبيرة لأن الكلام في دقة الإحصاء وهو أنسب للقرينة ، ومن اللافت في " آية الكهف " أن المجرمين لم يركّزوا على