تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
أولا : يطلق هذا اللفظ ويراد به " الجماعة " بمعنى جماعة ، أو مجموعة الحروف ، قال أبو عمرو الشيباني " خرج القوم بآيتهم " أي بجماعتهم وجملتهم . قال أبو بكر : سميت " الآية " من القرآن " آية " لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام ؛ وقال ابن حمزة " الآية " من القرآن ، كأنها العلامة ، التي يفضى منها إلى غيرها ، كأنها الطريق المنصوبة للهداية ، كما قال الشاعر : [ إذا مضى علم منها بدا علم ] . وفي حديث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه في الجمع بين الأختين بملك اليمين ( أحلّتهما آية ، وحرّمتهما آية ) ، قال ابن الأثير : الآية المحلة ، قوله تعالى :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
( النساء : 3 ، 24 ، 36 ) ، والآية المحرمة قوله :
وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
( النساء : 23 ) . ونقول إن " الآية " سميت بهذا أيضا ، لا لكونها علامة على الحلال والحرام وأمارة بين اللّه وعبادة فحسب ، بل إنها سميت كذلك ، إشارة على إعجاز كلام اللّه تعالى . فكلام اللّه ، آيات وعجائب في لغات بين الإنسان ، بارزة ، ومميزة ، ثابتة بحرفها ونصها ، متجددة بمعانيها ومراميها ؛ والقرآن كلّه آية باقية على الأزمان ، ليس له فيما عرفه الإنسان من آداب أو بلاغات مثال . و " الآية " أيضا بهذا المعنى تفيد " العبرة " - كما أشرنا إليه سلفا - ويؤيد ذلك قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
( 7 ) أي عظات وعبر ؛ كيف انتصرت البراءة والصدق على الحقد والكذب ؛ كيف عزّ المتوكلون ، وذل الماكرون المحتالون ، كيف قال الإخوة الأعداء :
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً
أي تخلصوا منه ،
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
، وكيف صاح خادم السيارة :
يا بُشْرى هذا غُلامٌ
، وكيف قال عزيز مصر :
أَكْرِمِي مَثْواهُ
، وكيف قالت له زوج العزيز :
هَيْتَ لَكَ
، وكيف قال الملك :
ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
، وقال له بعد أن كلّمه :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
وكيف غلبت الطاعة غلبة الشهوة ، وتحول حبّ الأبدان إلى حب الديّان ، وكيف خرج يوسف من البئر المظلم ، وبيع بالثمن البخس ، مع الزهد فيه ، ووصل إلى سدة العرش ، وإدارة شؤون الأرزاق ، في بلد ليس له فيه نصير إلا رب العالمين !