وحده في النون ثم استعمال الفم وحده فيما كان أخف عليهم من استعمال الفم في إخراج النون ثم عودهم إليه فيما بعدها . وهذا معنى قول سيبويه - رضي اللّه عنه - : ( كان أخف عليهم ألا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة » « 1 » ولا يقع لبس في خروجها من الخيشوم . وساغ ذلك في حروف الفم دون حروف الحلق لقرب مدخل الخيشوم ومخرجه من حروف الفم دون حروف الحلق » « 2 » .
ولم يسهم دارسو الأصوات العربية من المحدثين في تجلية حقيقة الإخفاء بشيء زيادة على ما قاله علماء التجويد ، بل إن النفر القليل الذين تحدثوا عن الموضوع جاء كلامهم فيه من التردد وعدم الوضوح بما يبعده عن مرتبة الحقيقة المقررة . قال الدكتور إبراهيم أنيس :
« الدرجة التي تلي إظهار النون هي ما اصطلح القدماء على تسميته بالإخفاء ، ويكون هذا مع خمسة عشر صوتا عند جمهور القراء هي : القاف . . . والفاء ، وليس ما سموه بالإخفاء إلا محاولة الإبقاء على النون ، وذلك بإطالتها مما أدى إلى ما نسميه بالغنة . هذا إلى أننا نلحظ مع ما يسمونه بالإخفاء ميل النون إلى مخرج الصوت المجاور لها » « 3 » . وقد لخص الدكتور أحمد مختار عمر النص السابق بقوله وهو يتحدث عن النون المخفاة : « فهي تطول وتميل إلى مخرج الصوت الذي بعدها » « 4 » .
إن كون النون المخفاة تطول ، وكونها تميل إلى مخرج الصوت الذي بعدها أمران لم يوفّ النصان السابقان حظهما من الوضوح ، ونبدأ بمناقشة كون النون المخفاة تميل إلى مخرج الصوت الذي بعدها ، ثم نناقش كون النون المخفاة تطول عند الكلام عن مقدار طول الغنة بعد قليل .
إن القول بأن ( النون المخفاة تميل إلى مخرج الصوت الذي بعدها ) لا يتضح منه المقصود بذلك الميل ولا مقداره . بينما يقرر علماء التجويد أن معتمد اللسان في الفم عند النطق بالنون المخفاة ينتقل إلى مخرج الصوت الذي بعدها ، فهو ليس مجرد ميل ، إنما انتقال إلى مخرج الصوت التالي ، كما يحدث عند الإدغام ، إلا أن الغنة باقية في الإخفاء بينما هي تزول في الإدغام . يؤكد ذلك ما نسمعه من نطق مجيدي قراءة القرآن الكريم اليوم ، وأقوال
هامش
( 1 ) الكتاب 4 / 454 .
( 2 ) الموضح 177 ظ .
( 3 ) الأصوات اللغوية ص 71 - 72 .
( 4 ) دراسة الصوت اللغوي ص 334 .