وقول علماء التجويد : إن النون المخفاة لا عمل للسان فيها لا يوضح بدرجة كافية وضع اللسان أثناء النطق بها . إلا أن عبد الوهاب القرطبي أماط اللثام عن ذلك الجانب الخفي من كلام علماء العربية وعلماء التجويد ، وقرر أن مخرج النون المخفاة يتصل بمخارج الحروف التي تقع بعدها ، أي أن معتمد اللسان في الفم مع النون ينتقل إلى مخرج الحرف الذي تخفى عنده ، ولكن يظل صوت الغنة جاريا من الأنف . وقد ورد ذلك في نص طويل تضمن التعريف والتعليل والأمثلة ، ولذا آثرت نقله بتمامه .
قال عبد الوهاب القرطبي : « النون والتنوين تخفيان عند خمسة عشر حرفا من حروف الفم ، وهي : القاف والكاف والجيم والشين والضاد والصاد والسين والزاي والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والفاء « 1 » .
ومعنى خفائها ما قدمنا من اتصال النون بمخارج هذه الحروف واستتارها بها وزوالها عن طرف اللسان « 2 » ، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم ، ولذلك إذا لفظ بها اللافظ وسد أنفه بان الاختلال فيها . ولو تكلف متكلف إظهارها وأخرجها من الفم لأمكن ولكن بعلاج « 3 » ، وهذا يبين بالمحنة .
فمثال إخفاء النون مع القاف قوله تعالى :
وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ
[ الأنعام : 93 ] ، ومع الكاف
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
[ البقرة : 98 ] . ومع الجيم
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
[ النمل : 89 ] ، ومع الشين
وَلَئِنْ شِئْنا
[ الإسراء : 86 ] ، ومع الضاد
وَمَنْ ضَلَّ
[ يونس : 108 ] ، ومع الصاد
مِنْ صَلْصالٍ
[ الحجر : 26 ] ، ومع السين
مِنْ سَبِيلٍ
[ التوبة : 91 ] ، ومع الزاي
مِنْ زَوالٍ
[ إبراهيم : 44 ] ، ومع الطاء
عَنْ طائِفَةٍ
[ التوبة : 66 ] ، ومع الدال
مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ
[ فصلت : 49 ] ، ومع التاء
أَنْ تَبَوَّءا
[ يونس : 87 ] ومع الظاء
مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ
[ سبأ : 22 ] ، ومع الذال
مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا
[ ص : 8 ] ، ومع الثاء
مِنْ ثَمَرَةٍ
[ البقرة : 25 ] ، ومع الفاء
مَنْ فَعَلَ هذا
[ الأنبياء : 59 ] .
وإنما خفيت النون مع هذه الحروف لأنها حروف الفم ، والنون أيضا لها مخرج من الفم ، والإخفاء في طلب الخفة به كالإدغام في طلب الخفة به ، فلما أمكن استعمال الخيشوم
هامش
( 1 ) أشرنا من قبل إلى مذهب بعض العرب وبعض القراء في إخفاء النون قبل الغين والخاء ( انظر ص 363 من هذا البحث ) .
( 2 ) قال في الموضح ( 174 و ) : وحقيقته السترة ، لأن المخرج يستتر بالاتصال .
( 3 ) قال المازني : إظهارها عند هذه الحروف لحن . ( انظر : ابن الباذش : الإقناع 1 / 260 ) .