وإما استعلاء ، وهو في إدغام القاف في الكاف في
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ
. . . « 1 »
وسوف نعالج إدغام النون الساكنة مع بقاء الغنة في الفقرة الآتية من هذا المبحث ، حيث نناقش أحكام الأصوات الأنفية . ونكتفي هنا بتوضيح موقف علماء التجويد من إدغام الصوت المستعلي والصوت المطبق ، لا سيما أن إبقاء الغنة يختلف عن إبقاء صفة الإطباق والاستعلاء ، وذلك راجع للاختلاف بين طبيعة الصوت المطبق والصوت المستعلي وبين طبيعة الصوت الأغن ( الأنفي ) .
والكلام في هذا الموضوع قديم ، ناقشه علماء العربية الأوائل ، ولكن كلامهم فيه كان موجزا ، ولم يتوغلوا فيه كما فعل علماء التجويد . وكان سيبويه قد أشار إلى جواز إبقاء الإطباق وجواز إذهابه ، فقال وهو يتحدث عن إدغام الطاء في الدال ، وهو ينطبق على حكم إطباق الطاء في التاء ، وقد صرح سيبويه نفسه بذلك : « الطاء مع الدال ، كقولك : اضبدّ لما ( اضبط دلما ) لأنهما من موضع واحد ، وهي مثلها في الشدة إلا أنك قد تدع الإطباق على حاله فلا تذهبه . . . ومثل ذلك إدغامهم النون فيما تدغم فيه بغنة . وبعض العرب يذهب الإطباق حتى يجعلها كالدال سواء ، أرادوا أن لا تخالفها إذ آثروا أن يقلبوها دالا ، كما أنهم أدغموا بلا غنة . وكذلك الطاء مع التاء إلا أن إذهاب الإطباق مع الدال أمثل قليلا ، لأن الدال كالطاء في الجهر والتاء مهموسة . وكلّ عربيّ » « 2 » . وأكد سيبويه هذا الموقف حين تحدث عن إدغام الصاد في السين في مثل ( افحص سالما ) ، وقال : « تدع الإطباق على حاله ، وإن شئت أذهبته » « 3 » .
وتحدث عن هذا الموضوع أيضا الفراء في كتابه ( معاني القرآن ) ، ويتضمن حديثه موقفا جديدا . فكلام سيبويه السابق يندرج في باب الإدغام المدبر ( الرجعي ) الذي هو أصل الإدغام في العربية ، لكن كلام الفراء يذكر مذهبا للعرب في إدغام الحرف المطبق في مجانسه يندرج في باب الإدغام المقبل ( التقدمي ) ، وذلك حيث قال : « وقوله :
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ
[ النمل : 22 ] . قال بعض العرب : أحطّ ، فأدخل الطاء مكان التاء . والعرب إذا لقيت الطاء التاء فسكنت الطاء قبلها صيروا الطاء تاء . فيقولون : أحتّ ، كما يحوّلون الظاء تاء في قوله
أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ
[ الشعراء : 136 ] . . . » « 4 » وذلك في
هامش
( 1 ) جهد المقل 25 و .
( 2 ) الكتاب 4 / 460 .
( 3 ) الكتاب 4 / 461 .
( 4 ) معاني القرآن 2 / 289 . وانظر أيضا 1 / 172 .