النون من خلال معرفة مخرج النون الأصلية ، التي ذكرنا مخرجها عند الكلام على مخارج حروف طرف اللسان ، حيث يعتمد طرف اللسان على ما فويق الثنايا فيسد طريق الهواء من الفم ، وينخفض الحنك اللين بما في ذلك اللهاة فيندفع الهواء من الخيشوم ، فالنون يعتمد لها في الفم ويخرج الصوت ( النّفس ) من الأنف ، وهذا الصوت الخارج من الخيشوم يسمى ( غنة ) « 1 » . ومن هنا قال بعض علماء العربية وعلماء التجويد أن النون والميم لهما مخرجان :
أحدهما في الفم وهو معتمد اللسان والشفتين ، والآخر في الخيشوم وهو مجرى الغنة « 2 » .
وقد قال مكي في توضيح هذه النون : « إن النون الساكنة مخرجها من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا ، ومعها غنة تخرج من الخياشيم ، فإذا أخفيتها عندما بعدها صار مخرجها من الخياشيم لا غير ، فتذهب النون عند الإخفاء ، وتبقى الغنة من الخياشيم ظاهرة . . . وتبين أن النون الخفية هي الغنة ، والنون المدغمة والمظهرة هي غير الغنة ، والغنة تابعة لها . فإذا قلت ( عنك ومنك ) فمخرج هذه النون من الخياشيم لا غير ، لأنها مخفاة عند الكاف ، باقية غنتها ظاهرة . وإذا قلت : ( منه وعنه ) فمخرج هذه النون من طرف اللسان ، ومعها غنة تخرج من الخياشيم لأنها غير مخفاة والغنة ظاهرة » « 3 » .
وقال عبد الوهاب القرطبي في ذلك أيضا : « وإنما تكون هذه النون من الخيشوم مع خمسة عشر حرفا من حروف الفم : القاف والكاف والجيم والشين والضاد والصاد والسين والزاي والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والفاء . فهي متى سكنت وجاء بعدها حرف من هذه الحروف فمخرجها الخيشوم ، لا علاج على الفم في إخراجها » « 4 » .
وإذ قد اتضح المقصود بالنون الخفيفة ( الخفية ) فهل هي متميزة عن النون الأصلية إلى الحد الذي يمكن معه إفرادها في مخرج مستقل على نحو ما فعله سيبويه وتابعه جمهور علماء العربية وعلماء التجويد عليه ؟ .
أما من الناحية الصوتية المحضة فإن هناك تباينا بين النون الأصلية وبين الخفية ( الفرعية )
هامش
( 1 ) انظر : سيبويه : الكتاب 4 / 435 ، والمبرد : المقتضب 1 / 194 ، وابن يعيش : شرح المفصل 10 / 144 . وانظر : مكي : الرعاية ص 241 ، وعبد الوهاب القرطبي : الموضح 171 و .
( 2 ) مكي : الكشف 1 / 146 ، وأحمد بن أبي عمر : الإيضاح 73 و . والأسترآباذي : شرح الشافية 3 / 271 ، والمرعشي : بيان جهد المقل 12 ظ .
( 3 ) الرعاية ص 241 - 242 ، وانظر : الكشف ( له ) 1 / 164 و 167 .
( 4 ) الموضح 153 ظ . وانظر : الداني : التحديد 17 و .