قلت : كلامنا مبنىّ على عدم جواز الترجيح بكثرة الأدلة فلا يتوجه الاعتراض علينا .
فإن قلت : لو وقع التعارض بينهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه ولم يوجد دليل من السنة يبين الحكم هناك فهل يمكن بيان حكم هذا التعارض ؟
قلت : لا شك في الإمكان والجواز - لو وقع - لكن القوم لما لم نجدهم يتكلمون فيه صريحا تركنا التعرض له اتباعا لهم في ذلك .
ثم إن صدر المفسرين : علىّ بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه ، قال ابن عباس : ما أخذت من تفسير القرآن فهو عن علىّ بن أبي طالب . ويتلوه ابن عباس ، وكفاه فضيلة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيه : « اللهم فقهه في الدين » وقال علي بن أبي طالب : إن ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق ، ولهذا قالوا : إن المحفوظ عن ابن عباس أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب . وكان عبد اللّه بن مسعود يقول : نعم ترجمان القرآن عبد اللّه بن عباس .
ويتلوه عبد اللّه بن مسعود ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن عمرو ابن العاص .
ثم إن جماعة من التابعين كمجاهد « 1 » ، وسعيد بن جبير « 2 » ، وعلقمة ، تبعوا ابن عباس ، قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة فهم ووقوف عند كل آية .
هامش
( 1 ) هو مجاهد بن جبر مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجّاج ، المكىّ ، من كبار التابعين ، شيخ القراء والمفسرين ، مات سنة 102 ه على الأرجح ( سير أعلام النبلاء 4 / 449 ، التاريخ الكبير 6 / 390 ، الكاشف 2 / 368 ، تهذيب التهذيب 8 / 219 ) .
( 2 ) هو سعيد بن جبير بن هشام ، أبو محمد ( أبو عبد اللّه الأسدي الوالبي ، الإمام المفسر الشهيد ( طبقات المفسرين 1 / 181 ، البداية والنهاية 9 / 96 ، سير أعلام النبلاء 4 / 231 ) ، طبقات ابن سعد 6 / 256 ) .