ونظائره كثيرة :
ومنها أن تحمل إلى في قوله
« إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
، على أنها اسم ، فهو واحد الآلاء التي هي النعم ، فإن في واحدها أربع لغات : إلا وألا مثل معي وقفا وإلى وإلى مثل جدى وحسى ، وسقط التنوين بالإضافة . وقال الأعشى :
أبيض لا يرهب الهزال ولا * يقطع رحما ولا يخون إلى
وليس لأحد أن يقول : إن هذا من أقوال المتأخرين وقد سبقهم الإجماع ، فإنا لا نسلم ذلك ؛ لما ذكرناه من أن عليا ومجاهدا والحسن وغيرهم قالوا :
المراد بذلك تنتظر الثواب .
ومنها : أن لفظ النظر يجوز أن يعدى بإلى في الانتظار على المعنى ، كما أن الرؤية عديت بإلى في قوله تعالى
« أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
« 1 » » فأجرى الكلام على المعنى ، ولا يقال رأيت إلى فلان . ومن إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق :
ولقد عجبت إلى هوازن أن أصبحت * منى تلوذ ببطن أم جرير
فعدى عجبت بإلى لأن المعنى نظرت .
وثانيها : أن معناه مؤملة لتجديد الكرامة ، كما يقال عيني ممدودة إلى اللّه تعالى وإلى فلان ، وأنا شاخص الطرف إلى فلان . . ولما كانت العيون بعض أجزاء الوجوه أضيف الفعل الذي يقع بالعين إليها . . عن أبي مسلم .
وثالثها : أن المعنى أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم عن كل شئ سوى اللّه ، ورجوه دون غيره ، فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر ، ألا ترى أن الرعيّة تتوقع نظر السلطان وتطمع في أفضاله عليها وإسعافه في حوائجها ، فنظر الناس مختلف :
فناظر إلى السلطان ، وناظر إلى تجارة ، وناظر إلى زراعة ، وناظر إلى ربه يؤمله . .
وهذه الأقوال متقاربة في المعنى ، وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون ؟ فقيل :
إنه بعد الاستقرار في الجنة ، وقيل : إنه قبل استقرار الخلق في الجنة والنار ، فكل فريق ينتظر ما هو له أهل . . وهذا اختيار القاضي عبد الجبار - وذكر جمهور
هامش
( 1 ) في الآية ( 45 ) من سورة الفرقان .