( فالمحكمات ) هي التي أحكمت عباراتها ، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه . ( والمتشابهات ) هي المتشبهات المحتملات . ( وأم الكتاب ) هي أصله الذي يحمل عليه المتشابه ، ويرد إليه ، يفسر به « 1 » .
على هذا التفسير جرى الزمخشري في كشافه عندما تعرض لهذه الآية ، وهو تفسير لا غبار عليه ، كما أن هذا المبدأ : أعنى مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات ، مبدأ سليم يقول به غير الزمخشري أيضا من علماء أهل السنة ، ولكن الذي لا نسلمه للزمخشري هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التي تصادفه ، فإذا مر بآية تعارض مذهبه ، وآية أخرى في موضوعها تشهد له بظاهرها ، نراه يدعى الاشتباه في الأولى والإحكام في الثانية ، ثم يحمل الأولى على الثانية وبهذا يرضى هواه المذهبى . وعقيدته الاعتزالية .
وقد مثل الزمخشري لحمل المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله تعالى في الآية ( 103 ) من سورة الأنعام
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
وقوله في الآيتين ( 22 ، 23 ) من سورة القيامة
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
فهو يرى أن الآية الأولى محكمة ، والآية الثانية متشابهة ، وعليه فتجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى ، ولا سبيل إلى ذلك إلى بحملها عليها ، وردها إليها .
ومثل أيضا بقوله تعالى في الآية ( 28 ) من سورة الأعراف
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. وقوله في الآية ( 16 ) من سورة الإسراء
« وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً »
فهو يرى أن الآية الأولى محكمة ، والآية الثانية متشابهة ، فلا بد من حمل الثانية على الأولى ليتفق المعنى ويتحدد المراد .
هامش
( 1 ) الكشاف ج 1 ص 294