تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
والتي تعتبر كنزا ثمينا ومرجعا مهما في بابها ، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب ، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ . ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرا مقصودا لذاته ، وإنما كانت وسيلة للتفسير ، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض ، كما يحاول بذلك - أحيانا - أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما .

معالجته للأحكام الفقهية :

كذلك نجد في هذا التفسير آثارا للأحكام الفقهية ، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم ، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه ، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة ، فمثلا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 8 ) من سورة النحل
« وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ »
نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، ويذكر قول كل قائل بسنده . . . وأخيرا يختار قول من قال : إن الآية لا تدل على حرمة شئ من ذلك ، ووجه اختياره هذا فقال : ما نصه « والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني - وهو أن الآية لا تدل على الحرمة - وذلك أنه لو كان في قوله - تعالى ذكره - ( لتركبوها ) دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للركوب للأكل . لكان في قوله
( فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ )
« 1 » دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء للركوب . وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره ( ومنها تأكلون ) جائز حلال غير حرام ، دليل واضح على أن أكل ما قال ( لتركبوها ) جائز حلال غير حرام ، إلا بما نص على تحريمه ، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحى إلى رسول
هامش
( 1 ) في الآية ( 5 ) من سورة النحل .
التفسير والمفسرون — صفحة 219 | محمد حسين الذهبي