انصرافه عما لا فائدة فيه :
ومما يلفت النظر في تفسير ابن جرير أن مؤلفه لا يهتم فيه - كما يهتم غيره من المفسرين - بالأمور التي لا تعنى ولا تفيد ، فنراه مثلا عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة
« إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ . . .
الآيات » ( 112 ، 113 ، 114 ) إلى قوله
« وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ »
يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء . . . ثم يعقب على هذا بقوله « وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال : كان عليها مأكول ، وجائز أن يكون سمكا وخبزا ، وجائز أن يكون ثمرا من الجنة ، وغير نافع العلم به ، ولا ضار الجهل به « إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل » ا ه « 1 » .
كما نراه عند تفسير قوله تعالى في الآية ( 20 ) من سورة يوسف
« وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ »
يعرض لمحاولات قدماء المفسرين في تحديد عدد الدراهم ، هل هي عشرون ؟ أو اثنان وعشرون ؟ أو أربعون ؟ . . . إلى آخر ما ذكره من الروايات . . . ثم يعقب على ذلك كله بقوله « والصواب من القول أن يقال : إن اللّه - تعالى ذكره - أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة ، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد ، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد يحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين ، وأن يكون كان أربعون ، وأقل من ذلك وأكثر . وأي ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة ، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين ، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه ، والإيمان بظاهر التنزيل فرض ، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه » ا ه « 2 »
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 88 .
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 12 ص 103 .