نصوص القرآن التي يبدو ظاهرها بعيدا ، فإذا ما مر بنص قرآني من هذا القبيل ، وجدناه ينزله بكل صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل ، وتلك الخطة كانت فيما بعد مبدءا معترفا به ومقررا لدى المعتزلة في تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص .
وإذا نحن رجعنا إلى تفسير ابن جرير وقرأنا بعض ما جاء فيه عن مجاهد نجده يطبق هذا المبدأ عمليا في مواضع كثيرة .
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 65 ) من سورة البقرة
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ »
نجده يقول - كما يروى عنه ابن جرير - « مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه اللّه لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا » ، ولكن نجد ابن جرير لا يرتضى هذا التفسير من مجاهد فيقول معقبا عليه : وهذا القول الذي قاله مجاهد قول لظاهر ما دل عليه كتاب اللّه مخالف . . . ثم يمضى في تفنيد هذا القول بأدلة واضحة قوية « 1 » .
وكذلك نجد ابن جرير ينقل عن مجاهد أنه فسر قوله تعالى في الآيتين ( 22 و 23 ) من سورة القيامة
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ )
بقوله « تنتظر الثواب من ربها ، لا يراه من خلقه شئ « 2 » » وهذا التفسير عن مجاهد كان فيما بعد متكئا قويا للمعتزلة فيما ذهبوا إليه في مسألة رؤية اللّه تعالى .
ولعل مثل هذا المسلك من مجاهد ، هو الذي جعل بعض المتورعين الذين كانوا يتحرجون من القول في القرآن برأيهم يتقون تفسيره ، ويلومونه على قوله في القرآن بمثل هذه الحرية الواسعة في الرأي ، فقد روى عن ابن مجاهد
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ج 1 ص 235
( 2 ) تفسير الطبري ج 29 ص 120 .