« أن كل موجود يصحّ أن يرى ، فإنّ المصحح للرّؤية إنّما هو الوجود ، والباري تعالى موجود فيصحّ أن يرى ، وقد ورد السّمع بأنّ المؤمنين يرونه في الآخرة ، قال اللّه تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
إلى غير ذلك من الآيات والأخبار . . . » « 1 » .
ومع أنّه أثبت الصفات الخبرية للّه تعالى ، كالوجه والعين واليدين ، إلّا أنه قيّدها بقوله : بلا كيف ، فليس له وجه كوجه الانسان ، أو عين كعين الانسان ، وبذا أضفى على مذهب أهل الحديث صبغة التنزيه ، بحسب الظاهر ، مع أنه أثبت « أن اللّه سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون » « 2 » .
3 - اتجاه المؤوّلة : ومنهم من أوّل الخبر في الصفات على وجه يحتمل اللفظ ذلك .
على أنّ الشهرستاني لم يفصل القول في هذا القسم .
ونجد عند ابن الجوزي تفصيلا آخر أكثر وضوحا ، فهو يقول : « اعلم أنّ الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب :
إحداها : إصرارها على ما جاءت من غير تفسير ولا تأويل ، إلّا أن تقع ضرورة كقوله تعالى :
وَجاءَ رَبُّكَ
( الفجر / 22 ) ، أي جاء أمره وهذا مذهب السلف .
والمرتبة الثانية : التأويل ، وهو مقام خطر .
والمرتبة الثالثة : القول فيه بمقتضى الحسّ ، وقد عمّ جهلة الناقلين إذ ليس لهم حظ من علوم المعقولات الّتي يعرف بها ما يجوز على اللّه تعالى ، وما يستحيل ، فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه ، فإذا عدموها تصرّفوا في النقل بمقتضى الحسّ » « 3 » .
هامش
( 1 ) - م . ن / ص 91 .
( 2 ) - أصول الحديث وأحكامه في علم الدراية / الشيخ جعفر السبحاني / ص 301 ، نقلا عن الأشعري : الإبانة / ص 12 ، ومقالات الاسلاميين / ص 322 .
( 3 ) - ابن تيمية / صائب عبد الحميد / ص 133 ، نقلا عن دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه / ص 73 .