التأويل لدى مختلف المذاهب :
والاتجاه إلى التأويل لم يقتصر على الشيعة ، بل هو موجود لدى سائر المذاهب ، وقد سبق وأن علمنا أنّ أكثر المسلمين يقرّون بوجود باطن للآيات ، كما إنّ كثيرا من الفرق من مختلف المذاهب كان لديها التأويل بصور مختلفة .
فالمعتزلة قالوا بتأويل الآيات المتشابهة ، خصوصا التي تتعارض مع عقيدة التوحيد ، قال الشهرستاني :
« اتّفقوا على نفي رؤية اللّه تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه عنه من كل وجه : جهة ومكانا وصورة وتمييزا وانتقالا وزوالا وتغيّرا وتأثّرا ، وأرجعوا تأويل الآيات المتشابهات فيها وسمّوا هذا النمط تأويلا » « 1 » .
كما أنّهم أوّلوا بعض الآيات الأخرى وفقا لقولهم في المنزلة بين المنزلتين - أنّ صاحب الكبيرة لا يكون مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا ، بل يكون فاسقا - ، وكذلك القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة لهم « 2 » .
وقال الزمخشري بأنّ من القرآن ما يستحيل حمله على ظاهره ، فلا بدّ من تأويله وحمله على المؤوّل لا المعنى الظاهر الرّاجح فيه « 3 » .
ومن المؤوّلين - ضمن ضوابط معيّنة - كثير من الأصوليين السنّة كالمالكية والشافعية والحنفية ، ومنهم أبو إسحاق الشاطبي ، الذي هاجم الظاهريين في غير ما موضع من كتابه « الموافقات » ، ناقلا عن فقهاء سابقين أو صائغا أحكامه من عنده ، يقول : « فقد نقل عن عياض بعض العلماء أنّ مذهب داود - الظاهري - بدعة ظهرت بعد المائتين ، وهذا وإن كان تغاليا في ردّ العمل بالظاهر ، فالعمل بالظاهر أيضا على تتبّع وتغال بعيد عن مقصود الشارع » ، بل إنّه يذهب أبعد من ذلك ، فينفي كلّ فقه
هامش
( 1 ) - م . ن / ص 49 .
( 2 ) - مناهل العرفان / ج 2 / ص 78 .
( 3 ) - البرهان / ج 2 / ص 206 .