وأكّد هذا المنهج مفسّر شيعي آخر ، وهو السيد السبزواري الذي يقول :
« . . . كما إنّي لم أهتم بذكر شأن النزول غالبا ؛ لأنّ الآيات المباركة كلّيات تنطبق على مصاديقها في جميع الأزمنة ، فلا وجه لتخصيصها بزمان النزول أو بفرد دون فرد آخر ، وكذلك جميع الروايات الواردة عن الأئمة الهداة في بيان بعض المصاديق لها ، فهو ليس من باب التخصيص ، بل من باب تطبيق الكلّي على الفرد ، كما ستعرف ذلك كلّه إن شاء اللّه تعالى » « 1 » .
وهذه مسألة أساسية يختلف بها التأويل الذي نحن بصدده عن التفسير الباطني الذي يلغي الظاهر ويتمسّك بالباطن ، فإنّ الباطنية رفضوا الأخذ بظاهر القرآن وقالوا : للقرآن ظاهر وباطن ، والمراد منه باطنه دون ظاهره « 2 » ، وهذا يختلف جوهريا ومبدئيا عن التأويل بالباطن - عند الشيعة - ، فهم يقرّون الظاهر ويثبتون حجّيّته ؛ فهذا الإمام الخوئي - المرجع المعاصر للشيعة - يعقد في مقدّمة تفسيره فصلا في إثبات حجّيّة ظواهر الكتاب ، وبعد ما أورد جملة من الآيات الدالّة على وجوب العمل بما في القرآن ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره ، قال :
« وممّا يدلّ على حجّيّة ظواهر الكتاب وفهم العرب لمعانيه :
1 - أنّ القرآن نزل حجّة على الرسالة ، وأنّ النبيّ ( ص ) قد تحدّى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله ، ومعنى هذا أنّ العرب كانت تفهم معاني القرآن من ظواهره ، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصحّ مطالبتهم بمعارضته ، ولم يثبت لهم إعجازه ؛ لأنّهم ليسوا ممّن يستطيعون فهمه ، وهذا ينافي الغرض من إنزال القرآن ودعوة البشر إلى الإيمان به .
2 - الروايات المتظافرة الآمرة بالتمسّك بالثّقلين اللّذين تركهما النبيّ في المسلمين ،
هامش
( 1 ) - مواهب الرّحمن / مقدّمة المؤلف / ص 7 .
( 2 ) - مناهل العرفان في علوم القرآن / ج 2 / ص 82 .