فالمتأمل في هاتين الروايتين يدرك دون عناء الفارق الزمني الكبير بين نزول الآيتين ففي الرواية الأولى نزلت الآية في غزوة أحد أي في العام الثالث للهجرة ، أما المرة الثانية التي نزلت فيها الآية فكانت يوم فتح مكة في العام الثامن للهجرة ، إذا فبين المرتين خمس سنين ، ولهذا يمكن القول بتعدد نزولها مرة يوم أحد ، ومرّة يوم فتح مكة ، وقد يكون لهذه الآيات سبب ثالث نزلت فيه حسب من يقول إن سورة النحل كلها مكية ، إنما الراجح في ذلك أن سورة النحل مكية ما عدا الآيات الثلاث الأخيرة منها فمدنية ، وعليه فيكون لها سببان للنزول وهما الحادثتان المذكورتان آنفا .
رابعا - تعدد النازل والسبب واحد :
وعلى عكس ما سبق تماما قد يكون هناك أمر واحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة ، ولا مانع من ذلك ، لأنه لا ينافي الحكمة في إقناع الناس وهداية الخلق وبيان الحق عند الحاجة ، بل إن تكرر نزول الآية مرتين أو أكثر في حادثة واحدة قد يكون أبلغ في الإقناع وأوضح في البيان « 1 » .
ومن أمثلة السبب الواحد تنزل فيه آيتان ، ما أخرجه ابن جرير الطبري « 2 » عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جالسا في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق العينين ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق
هامش
( 1 ) الإتقان 1 / 97 - مناهل 1 / 114 - انظر مباحث في علوم القرآن ص 64 .
( 2 ) - تفسير الطبري 6 / 185 .